.
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول
اتصل بنا

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مدى تعدد مرجعيات الدرس الفلسفي.
الثلاثاء أغسطس 22, 2017 12:46 pm من طرف كمال صدقي

» الدرس الفلسفي وبيداغوجيا الكفايات.
الثلاثاء أغسطس 22, 2017 12:44 pm من طرف كمال صدقي

» مأزق البيداغوجيا أمام إشكال ما الفلسفة.
السبت أبريل 22, 2017 11:28 am من طرف كمال صدقي

» ما الفئات المعنية بخطاب الحداثة والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان؟
السبت أبريل 22, 2017 11:18 am من طرف كمال صدقي

» هل التفلسف غاية أم وسيلة ؟
السبت أبريل 22, 2017 11:06 am من طرف كمال صدقي

»  على هامش سيولة الندوات الفلسفية هنا وهناك.
السبت أبريل 22, 2017 10:55 am من طرف كمال صدقي

» من النسق الفلسفي إلى فلسفة المجال.
الثلاثاء مارس 14, 2017 9:59 am من طرف كمال صدقي

» شبهة كتاب المنار لمادة الفلسفة
السبت يناير 21, 2017 11:22 am من طرف كمال صدقي

» ذكرياتي مع النصوص الفلسفية.
السبت يناير 14, 2017 6:28 pm من طرف كمال صدقي

» عتاب فلسفي على هامش الندوات الفكرية
الثلاثاء يناير 10, 2017 8:35 am من طرف كمال صدقي

مواقع صديقة

سحابة الكلمات الدلالية
مشترك البشري الوضع

شاطر | 
 

 إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   الثلاثاء سبتمبر 29, 2015 4:21 pm

سأشرع بداية شهر أكتوبر المقبل، إعادة مُساءلة شروط إنتاج درس فلسفي ( ولهذا ألتمس من مدرسي الفلسفة المشاركة في هذا العمل قصد تجديد علاقتنا بالدرس الفلسفي، طبقا لمبدإ ثابت أومن به:" أمزّق دفاتري القديمة وأُضرم فيها نار التجديد باسم  محبة الحكمة.. (يمكن الاطلاع على الرابط التالي:

http://philo.top-me.com/t1360-topic


 السؤال،بعد ذاك الكم من التحليلات والاجتهادات الورقية والإلكترونية، ومساهمات السادة مفتشي مادة الفلسفة..هل توجد بعض القضايا المسكوت عنها، أو التي اقتضتها مُستجدات وهي كثيرة ومتنوعة وتدعونا إلى إعادة مساءلة تجربتنا الفصلية؟ كيف نُعيد النظر في تجربة التدريس بالنصوص مثلا؟ كيف يؤجرئ المدرس مختلف الكفايات لحظة بناء الدرس الفلسفي؟عادة ، ومن خلال الزيارات الصفية رفقة السادة المفتشين، يدوّن المدرسون على جذاذاتهم مطلب الكفايات، ولكن لحظة إنجاز الدرس، يقفون فقط على تبليغ وإفهام مواقف الفلاسفة ( الأطروحات)، إضافة إلى الاشتغال النمطي على الأشكلة والمفهمة والحجاج. بحيث تسود نفس نمطية تحليل النصوص بنفس الطريقة التجزيئية.وهذا يقتضي مساءلة دور المراقبين التربويين لمدى الالتزام بالأطر المرجعية في تدريس الفلسفة من قبل المدرسين.وهل تعرف توضيحاتهم طريقا للإنجاز بعد انقضاء الندوات التربوية والأيام التكوينية؟
على سبيل المثال، هل تحضر الفلسفة في الدرس الفلسفي بالثانوي لذاتها، كمنتوج معرفي وتاريخي، تتحول معه الفلسفة وتُختزل في معلومات جاهزة ومُعطاة يتلقاها المتعلم من المدرس وينتهي بها المطاف في قائمة من الأطروحات والتي يتم تعليبها في خانات أو إطارات كما هو الأمر في كثير من الكتب المدرسية التجارية والتي يُقبل عليها المتعلمون بشغف لاعتقادهم كونها بسيطة في العرض الموجز والمُختصر، والمُصيبة، كما سأوضح لاحقا، إن افترضنا أن هذه الطريقة يلجأ إليها عدد من المدرسين في فصولهم ويلقونها على المتعلمين جاهزة؟ ) ومن بين المواضيع التي سأثيرها الوقوف على آليات تحضير المدرس لدرسه) أم الفلسفة، كشكل من أشكال الوعي الإنساني للذات ولعلاقتها بالغير والعالم ،هي بالإضافة إلى كونها معرفة،تحضر في المدرسة المغربية برهانات مُتعددة، بحيث تكون الفلسفة كمعرفة، فاعلة ومؤثرة في طريقة تفكير وسلوك المتعلمين وليس فقط اختزال رهان الفلسفة في كونها تعبئة للامتحان الوطني ( لا يجوز حصر تعبئة الفلسفة من أجل التواصل مع المصحح لحظة الإنشاء الفلسفي قصد الحيازة على تقويم جزائي له مطالب لا علاقة لها بروح الفلسفة أولا وهذا مناف للأطر المرجعية.)
وهذا يفتحنا على إجراءات منهاج الفلسفة، هذا الحاضر الغائب، بحيث أثبتت التجربة، عدم تمثل واستيعاب عدد من المدرسين  لمنهاج الفلسفة كإطار مرجعي مُوجه للاشتغال على الدرس الفلسفي .السؤال، هل يتم التعاقد مع المتعلمين على الرهانات من تدريس الفلسفة ؟ وهل يتم تقويم وتقييم مدى تحقق تلك الرهانات إضافة إلى فهم الإشكالات المطروحة بحسب المجزوءات ومفاهيمها ومحاور هذه الأخيرة؟
على سبيل المثال ، نطرح قضية التعاقد مع المتعلمين ، كيف نبني درسا فلسفيا من خلال تحقيق الهدف التالي كما جاء في التوجيهات التربوية الصفحة 3:" إتاحة فرصة تجربة الرشد الفكري والنضج الوجداني لتلميذ الفلسفة...تعلّم وممارسة اتخاذ القرار بحرية واختيار..التحرر من السذاجة الفكرية ومن الأحكام المسبقة والتعصّب، ومن سلبية التلقي ( لاحظوا مدى تعارض هذا التوجيه مع إملاء الدروس!!!!)...تعلّم الشجاعة في استخدام العقل وفي التعبير عن الرأي المدعوم بحجج وتحمل المسؤولية...وامتلاك الوعي الموجه بالقيم الإنسانية الكونية).
السؤال كيف تحضر هذه التوجيهات لحظة المقاربة المعرفية لتحليل النصوص ؟ وبأية طريقة نحقق هذه التوجيهات ونقيّمها وكيف يكون المتعلم على وعي بها؟ بمعنى كيف نجعله يشعر بالارتقاء الفكري والسلوكي بعد نهاية وحدة من وحدات الدرس الفلسفي؟ الاطلاع على تجربة الجذاذات تُظهر الاهتمام بالجانب المعرفي التعرّفي لمواقف الفلاسفة وليس الجانب التفكيري المتعلق بإنضاج الرشد الفكري. لا أزعم أن الدرس الفلسفي مجرد وسيلة لأهداف غير فلسفية، بحجة الترابط بين المعرفة الفلسفية وما يُمكن أن تحققه من رهانات، سآتي على تفصيلها لاحقا من خلال طرح أجرأة للتوجهات لحظة الاشتغال على النصوص أو لحظة الاشتغال التوضيحي مثلا لمختلف العلائق بين مفاهيم المجزوءة فيما بينها أو مختلف العلائق بين المجزوءات، ضمن التحضير الكلي للمجزوءة.
صحيح أن التوجيهات، تنص ، ضمن الكفايات الثقافية على " اكتساب معرفة فلسفية واستيعابها جيدا" ولكنها تنص أيضا ضمن نفس الكفايات على " إنتاج إبداعات شخصية تستثمر الأفكار والنظريات الفلسفية" ص 8.7

وللحديث بقية في انتظار تفاعل من يرغب في تعميق النقاش.


عدل سابقا من قبل كمال صدقي في السبت يناير 28, 2017 10:21 pm عدل 5 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   الجمعة أكتوبر 02, 2015 8:59 pm

1-    مرجعيات الدرس الفلسفي.
المرجعية الهوياتية.
من بين القضايا المسكوت عنها،هل مدرس الفلسفة مُطالب بإنجاز درس أم بإبداعه ؟ هذا السؤال يُحيلنا إلى  التمييز بين الإتباع والاجتهاد. هذا الإشكال نابع من المفارقة التالية : كيف يبني مدرس الفلسفة درسا فلسفيا يحترم جوهرها وهويتها ( ليس بالمعنى الأفلاطوني المُتعالي، وإلا إذا لم تتميز الفلسفة عن باقي أنماط التفكير الأخرى فما الفائدة من دراستها) ومن خلال الثابت المحدد لوجودها( كتفكير نوعي لكنه مُنفتح على باقي أصناف التفكير الأخرة بشكل تناصي وليس " عرقي " ( أقصد النزعة التفضيلية للفلسفة على سواها من أصناف التفكير) والتصرّف في المُتحول المرتبط بمواقف الفلاسفة التي تُمليها اعتبارات تاريخية تتحدد بإشكالية المرحلة، أي بكيفية تصور الفلاسفة للمشكلات وفق منظومة فكرية معينة.وهذا لا يُلغي كون الفلسفة طريقة خاصة في التفكير كما قال هيجل يُمارسها الفلاسفة أنفسهم، وهي ذاتها التي تعرّف عليها المتعلم في البرنامج الفلسفي للجذوع المشتركة من خلال محوري لماذا التفلسف، ومعالم التفكير الفلسفي ونمط انشغاله. المفارقة أن نسقط لحظة تدريس الفلسفة ضحية التناقض مع هوية الفلسفة ( وهي بالضرورة هوية منفتحة على التعدد والاختلاف داخل الحقل الفلسفي ذاته والمتميز بالمفارقات من قبيل تساكن العقلانية مع المنحى لكثير من الفلاسفة اللاعقلانيين واللاهوتيين....، ومنفتحة على باقي العلوم الإنسانية والدقيقة والأدب...)، لهذا يجب إعادة النظر في بعض الشائعات التي تزعم  أن الفلسفة غير قابلة للتعريف أو على الأقل من الصعب تعريفا !!! إذا كان الأمر كذلك، فكيف سنُقنع متعلما بممارسة تفكير عاجز عن إدراك هويته وحقيقته !؟
بالمحصلة، يبدو لي أن من مُعيقات بناء درس فلسفي، هي تنكّره لهويته والمتمثلة في كون الفلسفة شكل من أشكال وعي الإنسان لذاته ولعلاقته مع الغير ومع الطبيعة. وهذا الشكل من الوعي له مميزاته الخاصة وهي التي أنتجت لنا هذا التراث الفلسفي منذ قرابة خمسة وعشرين قرنا، ويطمح أن يُعمّر مستقبلا إن أوجب الإنسان على نفسه إعمال العقل في الموضوعات بالعدة الفلسفية المشكلة لهوية الفلسفة.
من هذا المنطلق، أفترض أن أول أولويات الدرس الفلسفي، وأول أطره المرجعية، هي احترام مدرس الفلسفة لماهية الفلسفة كثابت لا علاقة له ببعض النقاشات البيزنطية التي تخلط بين أساس التفكير الفلسفي، وبين نتائج اشتغاله على الموضوعات، وهذه متعددة وتخضع لضرورات التمرحل التاريخي، وتجدّد إشكالات العصر، وهي نسبية وتتطور باستمرار، وتظهر لنا ،لحظة كل مجال معرفي، كونها نسبية، لأنها مجرد مشروع لا يُمكن أن يكتمل، وهذا له مبرراته في جوهر الفلسفة باعتبارها طريقة في التفكير مفتوحة على الممكن، من منطلق أن الفلسفة هي المُضي في الطريق، هي ترحال فكري من نوع خاص، مسكون بالبحث عن الحقيقة وسط وجود لامتناهي من الموجودات.( وجب التمييز هنا بين المقاربة الفلسفة ومختلف مقاربات العلوم الإنسانية..)
بغياب هذه المرجعية المتعلق بما هي الفلسفة في شرط وجودها،وإن تعددت المناهج الفلسفية فهي وفية لنمط الاشتغال الفلسفي، وليس في نتائج تحصيلاتها وهي متعددة ونسبية،يقع الدرس الفلسفي في تناقض مع ذاته إن زعم أنه يحيا داخل الفضاء الفلسفي.أقصد تحنيط الدرس الفلسفي من خلال تحويله إلى وصفات جاهزة، تتناقض مع ما طرحناه أعلاه.
السؤال كيف نجعل من هذه المرجعية الأساس، الركيزة الأولى لبناء وإبداع درس فلسفي.
2- شروط إبداع درس فلسفي.
أ‌-    الأطر أو المرجعيات المؤسسية.( المرجعيات البيداغوجية)
السؤال الذي يطرح نفسه، كيف نجعل الروح الفلسفية تقبل بمأسستها دون أن تفقد خصوصيتها ؟

وللحديث بقية.



عدل سابقا من قبل كمال صدقي في الخميس أكتوبر 29, 2015 11:40 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   الخميس أكتوبر 29, 2015 6:34 am

قبل الشروع في إعادة تجليل شروط الدرس الفلسفي وتحيين إشكالية علاقته بالمؤسسة ومختلف المداخل البيداغوجية والديداكتيكية، أقترح عليكم إعادة نشر بعض المقالات حول الدرس الفلسفي بالمغرب من خلال المشتغلين بالحقل الفلسفي والجامعي والثانوي تعميقا للنقاش في أفق الحفر بالسؤال عن أفق الدرس الفلسفي بالمغرب.وفي غياب التفاعل مع المطروح من أفكار إرتأيتُ محاورة بعض المواقف الفلسفية والبيداغوجية من تدريس الفلسفة، وأقدم لكم أربعة نماذج نوعية في تصورها لوجود درس فلسفي يعي حدوده ويطمح نحو تجويد مساره كلما استجد مستجد.


النموذج الأول:

وجهة نظر الأستاذ كمال عبد اللطيف ( من موقع المرحوم محمد عابد الجابري)

 
الدرس الفلسفي في المغرب
حوار مع الأستاذ كمال عبد اللطيف
 
القسم الأول: الدرس الفلسفي في الجامعة المغربية
س: يطرح البحث في تدريس الفلسفة بالجامعة المغربية التساؤل عن بداية هذا التدريس وتحولاته, وذلك في أفق بناء تصور ممكن لوضع ذلك التدريس وصيرورته, فكيف كانت البداية? وهل يمكن الحديث عن مراحل كبرى محددة وذات ملامح تميزها عن بعضها البعض?
ج: لاشك أن تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية وفي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط يرتبط بميلاد التعليم العالي في المغرب في السنوات الأولى للاستقلال, أي في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات , ولاشك أن المرحوم الأستاذ محمد عزيز الحبابي لعب دورا هاما في إرساء التقاليد الأولى لهذا التدريس, خاصة وأنه جمع بين تكوينه الفلسفي الجامعي الذي كان يؤهله للبحث والتدريس, وبين مهمة العمادة حيث كان أول عميد لأول كلية للآداب في المغرب.
لم تكن البدايات سهلة ولا متيسرة, فقد ساهمت عوائق متعددة في بناء الملامح الأولى للدرس الجامعي في الفلسفة بوسائل بشرية ومادية محدودة, وذلك رغم قلة عدد الطلبة وتوزعهم بين قسمين لتدريس الفلسفة باللغتين العربية والفرنسية مثل أغلب الشعب والكليات, في زمن كانت فيه مظاهر وتجليات المرحلة الاستعمارية بمختلف أبعادها ما تزال حاضرة في مختلف فضاءات الواقع المغربي.
استطاع محمد عزيز الحبابي بمعية زمرة من زملائه العرب والأجانب (نذكر من بين الذين قضوا سنوات عديدة في تدريس الفلسفة بالمغرب خلال بداية الستينيات حكمت هاشم من سوريا, وألبير نصري نادر من لبنان, ونجيب بلدي من مصر) بناء الأسس الأولى لهذا الدرس في علاقة وثيقة مع نظام البرامج والدروس كما كانت تقدم في الجامعات التي درس فيها هؤلاء الأساتذة, وقد شكل هؤلاء في مطلع الستينيات الطلائع الأولى المدشنة للدرس الفلسفي في الجامعة المغربية, لنقل إذن إنه مرت الآن أربعة عقود على ميلاد درس الفلسفة في الجامعة المغربية, وقد لا تكون لأربعة عقود أهمية كبرى في مجال قياس درجة التمرس بالفكر الفلسفي وذلك بحكم التوقف الطويل في ميدان النظر الفلسفي في تاريخنا الفكري.
ويمكننا النظر إلى المراحل الكبرى المؤطرة لهذا التعليم من أكثر من زاوية, زاوية البرامج والمقررات, زاوية التأطير العلمي والتربوي, أو زاوية شروط ومقومات الدرس الفلسفي الجامعي, كما يمكن النظر إلى هذا المراحل من زاوية التفكير في الإنتاجية والمردودية والنجاعة وكذا الدور الثقافي التاريخي الموصول بتطور الذهنيات.
ولعله يمكننا الحديث أيضا عن هذه المراحل من خلال التفكير في عوائق وصعوبات الدرس الفلسفي في الجامعة وفي الفكر المغربي المعاصر.
ومن أجل إحاطة أولية بهذا الموضوع, يمكننا أن ننجز ترتيبا مؤقتا لمراحل كبرى في تعليم الفلسفة في الجامعة المغربية فتتحدث عن مرحلة التأسيس, أي من سنة 59 إلى 70, وهي مرحلة تميزت بنظام الشهادات الذي يختلف عن نظام السنوات, حيث كانت الإجازة مكونة من مجموعة من الشهادات التي يتلقاها الطلبة خلال سنوات الدراسة, وخلال هذه المرحلة وإلى سنة 1973 ظلت الفلسفة تدرس كما قلنا آنفا بلغتين, حيث ينقسم الطلبة إلى قسمين داخل الشعبة الواحدة.
ابتداء من الموسم الدراسي 1973- 1974 سيحذف القسم الفرنسي بحكم التعريب الذي لحق مقررات وبرامج الفلسفة في الثانوي فأصبحت الدروس الجامعية في مختلف أقسام كلية الآداب باللغة العربية.
لكن أهم ما عرفه عقد السبعينيات هو ارتفاع كم الطلبة, حيث بلغ هذا الكم ذروته في نهاية ذلك العقد, وأصبحت شعبة الفلسفة في الرباط وفاس تستقبلان سنويا ما يقرب من ألفي طالب, (1400 طالب في كلية الآداب بالرباط و 600 طالب في كلية الآداب بفاس). وإذا كان عقد التأسيس (60 - 70) قد منح الإجازة في الفلسفة لمجموع من الطلبة لم يتجاوز عددهم 150 طالبا من القسمين العربي والفرنسي فإن العقد الثاني (70- 80) وخاصة في نصفه الثاني قد نقل تعليم الفلسفة من الناحية الكمية إلى مستوى لا يرتبط بصيرورة طبيعية لنظام في التعليم متوازن ومتحكم فيه وفي مسألة تدبيره .. وقد ترتب عن الفيض الكمي الإستعانة بالأساتذة من الشرق العربي وخاصة من مصر. وتندرج هذه المرحلة ضمن سياقات تاريخية سياسية معقدة, سياقات عملت فيها مجموعات ضغط على تحويل مسار درس الفلسفة في المغرب بصورة تدعو إلى التساؤل عن طبيعة الأهداف والمرامي الموجهة لها.
وفي العقد الثالث (80- 90) ترتب عن الملابسات المشار إليها سابقا مشاكل جديدة في الجامعة المغربية, مشاكل موصولة بواقع المجتمع المغربي ورهاناته السياسية والثقافية, حيث أعلنت الحرب على الفلسفة وبرامجها بغير حق, وقد تأسست كليات للآداب في الجامعات المغربية الجديدة بدون شعب للفلسفة, ومقابل ذلك وطيلة عقد الثمانينيات وما تلاه أنشئت شعب للدراسات الإسلامية في الجامعات المغربية, ودرست فيها مواد يفترض أنها تدرس بمناهج عصرية جديدة داخل تخصص الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية في شعبة الفلسفة, وقد ترتب عن ذلك جملة من النتائج التي تحتاج إلى القيام بدراسات عينية من أجل بنائها وتركيب تأثيراتها المباشرة على الفكر الفلسفي في المغرب وعلى خريطة وبنية الثقافة والمجتمع المغربي.
ومن سوء حظ الفكر الفلسفي في المغرب أنه لم يتم الالتفات إلا مؤخرا لظاهرة إلغاء شعبة الفلسفة من كليات الآداب الجديدة, وقد بدأ تدارك ما حصل, حيث فتحت شعب الفلسفة بكلية الآداب التابعة لجامعة القاضي عياض بمراكش, وقد تفتح استقبالا في أغلب الجامعات المغربية شعب للفلسفة لرد الأمور إلى نصابها المعقول, والعمل على تعزيز مكاسب العقل النقدي والتاريخي في جامعاتنا وفي ثقافتنا العامة. وفي هذا السياق يمكننا أن نفكر في إمكانية تعميم درس الفلسفة في مختلف الجامعات والتخصصات بحكم الدور المنهجي الذي تقوم به في مجال بناء الذهنيات وتطويرها.
س: في هذا الإطار التأسيسي، الأستاذ كمال، تطرح مسألة تعريب الفلسفة بالجامعة المغربية كمرحلة أساسية تثير سؤالا : هل استهدف التعريب تحقيق خصوصية أو استثناء ثقافي حداثي عقلاني للمجتمع المغربي؟ أم أن المسألة كانت تروم – فقط تحويلا لغويا؟
ج: أثار موضوع تعريب الفلسفة في الجامعة وفي الثانوية المغربية كثيرا من الأسئلة المغالطة وقليلا من النقاش الموضوعي والتربوي, كما أثار حساسيات سياسية وسيكولوجية متعددة. ونحن نعتقد أن الموضوع أعقد من المواقف السريعة والجاهزة, وهو ينفتح على أسئلة تتجاوز المستوى اللغوي والبيداغوجي لتطال أسئلة سياسية وتاريخية وثقافية مركبة, أسئلة موصولة بفضاءات الصراع المحلي والقومي في أبعاده المادية وفي تجلياته ذات الطبيعة الرمزية, سواء في زمن حصولها أو في الأزمنة اللاحقة.
وكما نعرف فإن عملية التعريب لم تتم بسهولة ويسر, فقد كانت معركة ثقافية بكل معاني الكلمة, وقد أثارت زمن حصولها نقاشات هامة وسط المجموعة التي كانت تمارس التدريس, وطرحت إشكالات فعلية بالنسبة للزملاء الذين حصلوا على شهاداتهم الجامعية من القسم الفرنسي والذين كانوا يمارسون التدريس في مطلع السبعينيات. ولعل الذين عاصروا تلك المرحلة يدركون المجهودات التي بذلت من طرف الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة من أجل ترجمة النصوص والأدوات المساعدة على العمل, ان أساتذة السبعينيات في المدارس الثانوية المغربية يدركون القضايا المعرفية والتربوية التي طرحها التعريب الذي أنجز بصورة ارتجالية, كما يدركون أشكال المقاومة والجهد الذي بذله جيل كامل من الأساتذة وهم يغالبون واقعا جديدا , واقعا لم يحصل فيه فقط تعريب الفلسفة بل إعداد مقرر جديد بمواصفات معينة وبصورة مرتجلة أيضا , مما ضاعف الصعوبات وعمق القضايا التي أصبح يواجهها درس الفلسفة وتعليم الفلسفة في نظامنا التعليمي.
هنا يمكن أن نشير باختصار إلى أن المسألة في العمق لم تتخذ مسارا تربويا لغويا موصولا بأسئلة تاريخ ومجتمع وثقافة تتجه لتعميق وترسيخ العقلانية والفكر النقدي في المجتمع والثقافة المغربية, بل إنه اتخذ مسارا آخر حيث ارتبط التعريب بتدخلات أخرى كانت تتجه لمحاصرة درس الفلسفة ومناهجها وآفاقها الفكرية في ثقافتنا ومجتمعنا, فقد اختلطت القضايا وبرز فيها ملمح محاصرة الدرس الفلسفي في المدرسة المغربية والجامعة المغربية. والأمر الذي يدعو إلى التفكير هنا هو الإرادة السياسية العنيفة التي وضعت بعد ذلك ودون حرج مناهج في الدراسات الإسلامية باعتبارها البديل المناسب لحضور درس الفلسفة في المدرسة والجامعة المغربية, مغفلة ومتجاوزة لمختلف جهود الفكر الإسلامي في تبيئة وتوطين اللغة الفلسفية في فكرنا, ولاشك أن نتائج ما حصل حاضرة في واقع الحال بصور مختلفة.
هناك أمر آخر لا ينبغي إغفاله في سياق التفكير في موضوع تعريب الفلسفة, وهو يتعلق بعدم عزل تعليم الفلسفة بالعربية عن سؤال التعريب في برامج التعليم المغربي وسؤال التعريب في الاختيارات السياسية والإيديولوجية للحركة السياسية المغربية, ذلك أن هذه الأسئلة تسمح بفهم أفضل لحدث يبدو في ظاهره تقنيا, في حين أنه في العمق تاريخي يتجاوز المدرسة والتعليم ليرتبط بأسئلة واختيارات أخرى تؤسسه وتضع له السياق العام الذي يتجه نحوه ويتبلور في إطاره. إن اللغة والمدرسة والجامعة فضاءات لا يمكن فصلها عن أسئلة التاريخ الكبرى التي يحصل التوافق أو التواطؤ في موضوعها, خدمة لآفاق تتجاوزها, آفاق ترتبط في العمق بأسئلة الصراع الثقافي والصراع السياسي في بلادنا, ولعله ترتبط في مستوى آخر من مستويات البحث بعوائق وصعوبات ترسيخ آليات العقل النقدي في فكرنا.
س: وهل يمكن اعتبار ما واكب وتلا تعريب الفلسفة من حركية وتطورات تمثلت في اتساع قاعدة طلبة قسم الفلسفة والاجتماع وعلم النفس بالرباط وفاس حيث نشطت القراءات والكتابات الفلسفية ونشط الاشتغال بالتراث الفلسفي العقلاني وقراءته قراءة جديدة ونقدية ونظمت ندوات كبرى مثل ندوات "ابن رشد" و "ابن خلدون"، هل يمكن اعتبار هذه الحركية الفلسفية التي ميزت نهاية عقد السبعينيات تجسيدا لما يمكن أن نطلق عليه الاستثناء الثقافي العقلاني الحداثي وترسيخا له?
ج: لا علاقة في نظري للحركية التي عرفها الفكر الفلسفي في نهاية عقد السبعينيات لا بموضوع اللغة والتعريب ولا بما تطلقون عليه في سؤالكم الاستثناء الثقافي العقلاني .. فقد كان الأمر يرتبط بصيرورة محددة داخل جامعتنا الفتية, صيرورة موصولة بإكراهاتها المختلفة, وقد أثمرت المعطيات التي أشرتم إليها, وهي معطيات موصولة في مجملها بالجهود التي راكمها الجيل المؤسس لدرس الفلسفة في الجامعة المغربية, إضافة إلى ذلك فإن الأنشطة الفكرية التي تحدثتم عنها تعكس التناقضات والمخاضات الأولى التي ستستثمر لاحقا في مشاريع فكرية ما تزال متواصلة, وذلك دون أن ننسى التراجعات والخسائر الحاصلة, حيث لا يوجد تاريخ خطي متصاعد لا للأفكار ولا للمجتمعات.
إن تاريخ الفكر كما نتصوره ليس تاريخا خطيا ويصعب فهمه في سياق تصاعدي خالص. إن الفهم الأقرب إلى روح الواقع في نظرنا هو الفهم الذي يحاول رصد التحولات ومعاينة الصعوبات والعوائق في الوقت نفسه, حيث تعكس عمليات المد والجزر, التوتر والتجاوز تعقد الظاهرة التي نحن بصدد الإمساك بها, ظاهرة تطور الفكر الفلسفي في المغرب. وإذا كان بإمكاننا أن نتحدث عن قوة نسبية للفكر التاريخي, وقوة مماثلة في الموضوعات والأسئلة المرتبطة ببعض إشكالات السياسية والتاريخ والتراث في فكرنا, فإنه لا يجب أن نغفل مع ذلك محدودية دروس تاريخ الفلسفة في فكرنا , فالمحاولات القليلة المنجزة في هذا الباب تعكس بدورها النواقص والثغرات القائمة وتدعونا إلى مزيد من الانخراط الأكثر تواصلا مع أسئلة وإشكالات تاريخ الفلسفة.
س: إذا تأملنا الآن في تاريخ تدريس الفلسفة بالجامعة المغربية، وأردنا التساؤل عن حصيلة ومكتسباته، فما الذي يمكن استخلاصه؟ هل أفرز ذلك التاريخ تكوين جملة من الباحثين؟ أم تكوين مدرسين للفلسفة؟ أم ساهم في بلورة ثقافة تنويرية لدى الطالب والقارئ المغربي؟ أم أن الدرس الفلسفي الجامعي قصد تحقيق كل ذلك؟
ج: لم ينفصل تعليم الفلسفة في الجامعة المغربية منذ تأسيسه وربما إلى يومنا هذا عن وظيفته المرتبطة بتكوين أساتذة للفلسفة في الثانويات المغربية, وذلك رغم أن الجامعة كانت مستقلة عن المدرسة العليا للأساتذة ومراكز تكوين الأساتذة التي تأسست لاحقا, وقد اشتغل أغلب مجازي الفلسفة خلال عقدي الستينيات والسبعينيات بتدريس الفلسفة في المدارس الثانوية, لكن هذا التعليم أيضا كان يساهم في تكوين بعض الباحثين الذين كانوا ينخرطون في التدريس الجامعي والبحث العلمي. وقد ساهم هذا الدور المزدوج في إلحاق كثير من الخلل بالمهمتين معا. ولم يكن بالإمكان تجاوز مظاهر الخلل في جامعة لا تتوفر على الشروط المحفزة على العمل البحثي بوسائله الجديدة. كما أن عمليات تكييف البرامج مع متطلبات المهمة التدريسية في الثانوية المغربية مارست بدورها عمليات اختزالية أفقرت الروح البحثية المفتوحة والتي يفترض أن تكون سمة ملازمة للتدريس الجامعي في مختلف تخصصاته.
لكن وسط العملية المزدوجة المذكورة آنفا تمكن الدرس الفلسفي الجامعي من ابتكار الوسائل التي سمحت له بتركيب جملة من المنجزات النظرية التي أصبحت تشكل قاعدة انطلاق قوية في الثقافة وفي الفكر المغربي المعاصر.
س: الأستاذ كمال, إذا كنا قد رأينا في نهاية الستينيات والسبعينيات مرحلة انتعاش وإشعاع بالنسبة للفلسفة في الجامعة المغربية, فإن المرحلة اللاحقة ستعرف انحسارا, وقد نقول حصارا, فمن محاولة لإغلاق الشعبة إلى عدم إحداثها في الكليات المحدثة منذ بداية الثمانينيات, والتي عرفت إحداث شعبة جديدة (الدراسات الإسلامية), إلى انسداد الآفاق بالنسبة للمتخرجين, ... كيف تفسرون هذا الانحسار من حيث شروطه الذاتية والموضوعية? وكيف استقبلتم قرار افتتاح شعبة الفلسفة في بعض الكليات مؤخرا ?
ج: نحن نعتقد أن تعليم الفلسفة في الجامعة وفي المدرسة المغربية يعتبر من المكاسب التاريخية والتربوية التي لا ينبغي التفريط فيها بل ينبغي العمل على تطويرها وابتكار الأساليب التي تسمح بحضور أقوى لدرس الفلسفة, درس الفكر العقلاني المنفتح على التاريخ والإنسان والمستقبل في مختلف التخصصات والمعاهد والمؤسسات داخل الجامعات المغربية.
وعندما نتابع تجارب تعليم الآخرين في هذا الباب نكتشف إدراكهم العميق لدور الفلسفة في تكوين الشخصية البشرية وفي تطوير قدراتها النظرية في مجال مجابهة أسئلتها بأساليب المقاربة المنهجية العقلانية, فأغلب المعاهد التقنية العليا في الجامعات الأوروبية لا تستغني عن استحضار الموضوعات والنصوص الفلسفية ذات الصلة بقضاياها, إضافة فائض القيمة الفكري المتمثل في البعد المنهجي للدرس الفلسفي, والمتمثل أيضا في الروح النقدية التي تعتبر سمة ملازمة للنظر الفلسفي في التاريخ وخاصة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة.
إن الانقطاع الذي حصل لأسباب معروفة في مجال تدريس الفلسفة في الجامعة, وتقليص حصص الفلسفة في الثانويات المغربية, يعكس جوانب من أشكال التوتر التاريخي العام الحاصلة في تاريخ فكرنا المعاصر, وهذا التوتر يرتبط بقضايا الصراع السياسي والعقائدي في مجتمعنا, والعودة اليوم إلى فتح أقسام وشعب للفلسفة بالجامعات المغربية يشكل أكبر دليل على إدراكنا المتأخر للوظائف الموكولة للفكر الفلسفي في التاريخ ... إن تعزيز المشروع الديمقراطي في حياتنا السياسية على سبيل المثال يتطلب الاستفادة من مكاسب ومنجزات تاريخ الفلسفة وتاريخ الفلسفة السياسية, كما أن إنعاش الحوار العقلاني والتاريخي في فضاءات الفكر والعمل في مجتمعنا يستدعي بدوره ترسيخ آليات وقواعد النظر الفلسفي وآليات وقواعد الفكر المنهجي كما بلورته وما فتئت تبلوره وتطوره مكاسب الدرس الفلسفي المعاصر, وكل نسيان أو إغفال لوظيفة الفكر الفلسفي في التاريخ سيساهم في تكريس الدوغمائيات والأفكار المطلقة والقطعية .. ونظرا لأننا نعاني في فكرنا المعاصر من أعباء التاريخ وأعباء العقائد كما استقرت وتحجرت في ثقافتنا وتقاليدنا وحياتنا العامة على وجه العموم, فإن الاستعانة بالفكر الفلسفي بمناهجه وبآلياته في النظر والتعقل والتحليل تتيح لنا بناء الوسائل والآليات النظرية المساعدة على تحطيم وتكسير قيود الموروث الكابحة لحرية الفكر والإبداع.
القسم الثاني: البحث والإنتاج الفلسفي في المغرب
س: إذا سمحتم , ننتقل الآن, إلى مجال البحث والتأليف الفلسفيين بالمغرب ونطلب منكم تقديم تصوركم للتأريخ في هذا المجال أيضا: هل يمكن تحديد بداية أو بدايات معينة للبحث والتأليف الفلسفي بالمغرب? وهل يمكن الحديث عن مراحل وصيرورة هنا أيضا ?
ج: بناء على المعطيات النظرية التي راكم الدرس الفلسفي في الجامعة المغربية يمكننا القيام بتمارين متعددة من أجل ترتيب هذا الإنتاج في محاور أو إشكالات أو أسئلة وقضايا محددة, وذلك لتسهيل عمليات الفهم, ومن أجل حصر المكاسب وتعيين حدودها وآفاقها.
وهنا يمكن أن نشير إلى كل حديث عن بداية محددة لانطلاق البحث والتأليف يفترض ضمنيا تصورا معينا لنظام الكتابة الفلسفية في فكرنا المعاصر.
فإذا ما شئنا التاريخ لكيفيات حضور المفاهيم الفلسفية في الفكر المغربي المعاصر فإنه يمكننا أن تحدد زمنا لهذا الحضور ولطبيعة صيرورته. وإذا ما انطلقنا من صوغ إشكالات محددة فإنه يمكننا أن نتحدث عن بداية أخرى وهكذا ... ولأننا في سياق الحديث الراهن نفضل أن تكون نقطة انطلاقنا مرتبطة بنصوص محددة وتقصد بذلك بالذات النصوص التي أنجز المرحوم محمد عزيز الحبابي وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري, بحكم أن هذه الأخيرة تتيح لنا أكثر من غيرها فرصة معاينة الإرهاصات الأساس لنظام في النظر أقرب إلى روح الفكر الفلسفي, نظام يستخدم المفاهيم والمناهج وأساليب الاستدلال ذات الصبغة الفلسفية, نظام يصوغ له مرجعية ذات سند موصول بمعطيات دروس تاريخ الفلسفة, وكل هذا يعني أن الإنتاج الفلسفي المغربي يرتبط بالجامعة المغربية, ويرتبط بأسئلة أقرب ما تكون إلى أسئلة التاريخ والسياسية والتراث في نصوص العروي والجابري , كما يرتبط في نصوص الجبابي الأولى بمحاولة في الانخراط في بعض تيارات الفكر المعاصر, مع مساعي نظرية موصولة بمسألة التفكير في بعض عناصر المكونات الذاتية للنظر في التاريخ المحلي (الشخصانية والشخصانية الإسلامية). ويمكننا أن نفكر أيضا في كتابة تعنى برصد عوائق الدرس الفلسفي في فكرنا حيث يمكننا التاريخ بالسلب لمعاينة أشكال الكوابح والضغوط التي مورست وما تزال تمارس على آلية انطلاق وتطور الكتابة الفلسفية في فكرنا المعاصر.
تعد اللحظة المذكورة عنوانا لانطلاق مشروع في الكتابة والبحث تواصل في الأجيال اللاحقة بصورة متواترة, وبشكل يعكس درجات انخراط الجيل الثاني من الباحثين المغاربة في مواصلة تأسيس وإعادة تأسيس فكر فلسفي قادر على الاستفادة من دروس وأسئلة الفلسفة المعاصرة. ( نحن نشير هنا إلى جهود الزملاء الذين ما فتئوا يسهرون على تدريس الفلسفة في الجامعة المغربية ويدعمون هذا التدريس بالمؤلفات والأبحاث التي ينشرون).
س : يلاحظ أن هناك ارتباطا قويا في كثير من الحالات بين درس الفلسفة كما يمارسه الأساتذة بالجامعة المغربية وبين ما يؤلفونه ويشتغلون بالبحث فيه; إذ يشكل الدرس مشروع بحث وتأليف, كما يصبح المؤلف والبحث مرجعا للدرس ... تدعونا هذه الملاحظة إلى التساؤل حول طبيعة "الإنتاج" الفلسفي المغربي: هل هو تفكير فلسفي في قضايا فلسفية, مثل قضايا الوجود والحياة والذات والحقيقة والإنسان والحرية ...? أم هو تفكير حول الفلسفة يحلل خطابها ويشرحه ويعلق عليه ويترجمه ..?
ج: قبل الجواب على سؤالكم الذي نعتقد أنه استمرار للسؤال السابق, نريد تقديم التوضيح التالي: إننا نفترض أن مراقبة تطور الفكر الفلسفي في بلادنا يكون أفضل وأدق عندما يفكر في هذا الموضوع في إطار المدى الزمني المتوسط والطويل, ذلك أن الفكر الفلسفي في ثقافتنا ما يزال في أطواره الأولى, وهو يعمل على إنجاز مهام مركبة ومعقدة, إنه يواجه الضغوط الذاتية المتمثلة في كوابح الذاكرة التراثية المناهضة للعقل والتاريخ, ويواجه في الوقت نفسه مهمة استيعاب دروس تاريخ الفلسفة, وأسئلة ومفاهيم الفلسفة المعاصرة, كما يواجه مهمة إبداع المصطلح والمفهوم المطابق لنظام الفكر الفلسفي, ويحاول كذلك بناء أسئلة زمانه الخاص في ارتباط مع أسئلة الحاضر المحلي والكوني.. وسط هذا المناخ المعقد والمركب ينجز الفكر الفلسفي المغربي إسهامات نظرية تعكس درجات حيويته ودرجات استيعابه لأسئلته وأسئلة الفكر والتاريخ المعاصر. وبناء على هذا التصور يمكننا أن نقرأ المنتوج الذي يتصدر حقل الفكر الفلسفي في ثقافتنا المعاصرة باعتباره جهدا في التمرس بنمط الفكر الفلسفي, ولعله منتوج يتمتع بخصوصيات تقربه من محيطه التاريخي, دون أن تبعده عن أسئلة القول الفلسفي في تنوعه وتطوره.
ما يوضح هذه المسألة هو أننا قبل ثلاثين سنة لم نكن نساهم في إنشاء نصوص قريبة من فضاء الكتابة الفلسفية, وأن الجيل الذي أشرف ويشرف على تدريس الفلسفة خلال الربع الأخير من القرن الماضي في الجامعة المغربية هو الذي عمل على المساهمة في تعميم الوعي بأهمية الدرس الفلسفي في فكرنا المعاصر, ولعل الأهمية الكبرى لما أنجز هذا الجيل تتمثل في كونه أتاح لنا معرفة المسافة العظيمة التي ما تزال تفصلنا عن مرحلة الانخراط المنتج والمبدع في تاريخ الفلسفة.
س: في نفس الإطار دائما، هل يمكن القول بأن ممارسة التأليف والبحث الفلسفي في المغرب قد وجهها هاجس الخصوصية والهوية، كما يتمثل ذلك في الاشتغال على التراث عامة وإحياء الرشدية خاصة، والاهتمام بالمشروع النهضوي ... في أفق تحقيق استثناء ثقافي تنويري حداثي... ؟
ج: أنجزت خلال السنوات الماضية أكثر من محاولة في الإحاطة بالإنتاج الفكري ذي الطبيعة الفلسفية, وقد بدا لي في أغلب هذه المحاولات أن الفكر الفلسفي في المغرب يدور حول إشكاليتين مركزيتين, إشكالية التفكير في الحداثة ثم إشكالية التفكير في التراث, وداخل فضاء هاتين الإشكاليتين تبلورت مجموعة من الكتابات والنصوص والمفاهيم, بل إن الانشغال بالبحث الإبستمولوجي وببعض القضايا الفلسفية المعاصرة يرتبط بشكل من الأشكال بالاشكاليتين المذكورتين, حيث تتغذى المباحث الابستمولوجية في بعض جوانبها بالهواجس المنهجية المرتبطة بالظاهرة التراثية وتعمق مفاهيم الفلسفة المعاصرة مجال التفكير في ترسيخ الفكر الحداثي في فكرنا المعاصر ... وهكذا يبدو أن الدرس الفلسفي المغربي يمارس دورا مزدوجا , فهو يكشف من جهة عن درجات استيعاب الفكر المغربي لأسئلة ومفاهيم ومناهج تاريخ الفلسفة, ويقدم من جهة ثانية جوانب من قدرة الفكر المغربي على بناء أسئلته المرتبط بإشكالات حاضره وماضيه ولغته وأسئلته.
ومن الملاحظات التي ينبغي الإشارة إليها في هذا السياق هو أن قطاعات معرفية أخرى تعمل بدورها على توطين كثير من مفاهيم النظر الفلسفي بالصورة التي توسع من دائرة النظر الفلسفي, وتمنح إشكالات الفلسفة ومفاهيمها فضاءات جديدة للتجريب والنظر الذي نفترض أنه سيساهم في إخصاب كثير من حقول الفكر والثقافة المغربية.
س: أخيرا، يبدو أن هناك مجموعة من المتغيرات التي تؤشر على وجود تحولات مجتمعية راهنا. فما هي الآثار التي يمكن أن تكون لهذه التحولات على وضع الفلسفة بالمغرب تدريسا وتأليفا؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تساهم به الممارسة الفلسفية في تفعيل تلك التحولات، من خلال الدرس البيداغوجي والبحث الأكاديمي والعمل الجمعوي..؟
ج : يقف الدرس الفلسفي المغربي في بداية القرن أمام سؤالين أساسيين, يتعلق أولهما بموضوع مواصلة التفكير في كيفيات ترسيخ الدرس الفلسفي في محيطنا الثقافي, في المدرسة والجامعة وفي فضاء التواصل العام داخل ثقافتنا, وداخل مؤسسات مجتمعنا, وهذا السؤال يرتبط بمعركة قديمة معركة تحقيق المشروعية التاريخية والفكرية للنظر والممارسة الفلسفية باعتبارها من أهم منجزات الإنسان النظرية في التاريخ, حيث تشكل ويتشكل الوعي بالذات والوعي بالتاريخ والوعي بأهمية النظر العقلاني النقدي والتاريخي في حياة الإنسان وفي حياة الإنسان المغربي بالذات … وهذه المعركة رغم قدمها فإننا نشعر بأنها ما تزال معركة قائمة, ولعلنا في ظروفنا الراهنة نحتاج إلى مزيد من العمل من أجل تحقيق المكاسب النظرية التي تسعفنا بتطوير الفكر الفلسفي النقدي في حاضرنا, فإذا كنا نقبل أن ثقافتنا ما تزال مفيدة بأعباء التاريخ الثقيلة فإنه ينبغي أن نسلم بضخامة وجسامة المسؤولية الموكولة لمسألة تعميم الفكر الفلسفي والروح النقدية في حاضرنا وعلى جميع الأصعدة والمستويات.
أما المعركة الثانية فإنها تتمثل في سؤال الحداثة الفكرية والسياسية, فنحن نعتقد أن البؤرة القوية التي يمكن أن ينتظم في إطارها فكر فلسفي فاعل وفعال في فكرنا المغربي تتمثل في إنجاز الفكر القادر على بناء وإعادة بناء المشروع الحداثي في فكرنا وواقعنا ... ذلك أن كل أسئلة حاضرنا ترتبط بسؤال الحداثة والتحديث, سؤال الفعل التاريخي والاجتماعي والثقافي المتمركز حول قضايا الإنسان الكبرى في الوجود والمجتمع وهذه المسألة ترتبط أيضا بالفلسفة والفكر الفلسفي.
وهنا لابد من التوضيح بأن دلالة الحداثة في هذا السياق موصولة في نظرنا بالفعل التاريخي المبدع, أفعال التأصيل التي تسلم بأن الرؤية الفلسفية الحداثية للعالم وللمجتمع وللتاريخ رؤية تركب في صلب عمليات المواجهة التاريخية الفعلية, وأنها لا توجد معلبة أو جاهزة في مكان بعينه, وعلينا أن نبدعها ونركبها في ضوء أسئلة حاضرنا وتاريخنا وبكثير من الجهد الذي لا يفرط في مكاسب التاريخ الحديث والمعاصر.
انطلاقا مما سبق يلعب الفكر الفلسفي العقلاني الحداثي كما وضحناه وكما نتصوره دورا مركزيا في تعزيز آليات التحول الرامية إلى تطوير مجتمعنا وتطوير مواثيق تعاقداته وتوافقاته السياسية والتاريخية. وهو لا يقوم بتعزيزها بصورة آلية أو مباشرة. فالأدوار التي يقوم بها الفكر الفلسفي في التاريخ لا تقاس بآنيتها أو بوظائفها المباشرة, بل إن أهمية الفكر الفلسفي المتمثلة في نشر وتوسيع دوائر ثقافة الحوار والنقد, تتيح للناشئة الجديدة إمكانية استيعاب القيم الفلسفية المعاصرة, القيم التي تمكنها من دعم المجتمع الجديد الذين نتطلع إليه جميعا في مجالات السياسية والاقتصاد والفكر, ولنقل في مجالات الحياة.
أجرى الحوار: عبد المجيد الانتصار وجمال هشام
الرباط يناير 2003


عدل سابقا من قبل كمال صدقي في الخميس أكتوبر 29, 2015 11:53 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   الخميس أكتوبر 29, 2015 6:42 am

النموذج الثاني.

ننفتح أيضا على موقف الأستاذ مصطفى القباج في أفق تحيين ما تفضّل به مع مُستجدات الدرس الفلسفي مع جل الأطر المرجعية الحالي.




 
تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي
 
حوار مع محمد مصطفى القباج

في إطار هذا الملف، الذي يهتم بموضوع "الفلسفة في المغرب"، يشكل التفكير في تجربة تدريس الفلسفة بالتعليم الثانوي المغربي محورا أساسيا، من حيث إن تلك التجربة هي إحدى تجليات الممارسة الفلسفية في المغرب، من جهة، ثم إنها بلغت حتى الآن ما يقارب نصف القرن، من جهة أخرى، فغدت بذلك موضوعا يقتضي التأمل والسؤال والتقويم، من أجل تشخيص مسارها وتحولاتها وقضاياها، وقصد استشراف آفاقها. وهكذا تم إعداد هذا الحوار مع أحد رواد تدريس الفلسفة في المغرب، وهو الأستاذ محمد مصطفى القباج، الذي يستحضر هنا تجربة التعليم الفلسفي بالثانوي بالتحليل والنقد، وهما من ملامح آثار التكوين الفلسفي للرجل.

سؤال: يثير التفكير في "درس الفلسفة بالتعليم الثانوي" التساؤل عن البداية والتحولات، وذلك بحثا عن تصور ممكن لتاريخية ذلك الدرس وصيرورته. ففي أفق التأريخ لتدريس الفلسفة بالثانوي، كيف كانت البداية؟ وهل يمكن الحديث عن مراحل كبرى محددة، وذات ملامح تميزها عن بعضها، بدءا من عهد الحماية؟
ذ.القباج: تندرج، في نظري، صيغة هذا السؤال ضمن الأسئلة المركبة التي ينبغي أن تخضع لنوع من التفكيك، ليكون الجواب، الذي هو محصلة المعالجات الجزئية، جوابا غير نهائي. وأقصد أن الأمر لا يحسم بحكم قاطع أو استنتاج شمولي.
إن المستوى الأول، في التعامل مع السؤال، هو النظر إلى "التعليم الثانوي" ضمن عملية التقطيع التي تخضع لها الحياة المدرسية، وهو تقطيع له جذوره التاريخية، وأيضا الإيديولوجية. كما أن له إطارا مجتمعيا يتميز به كل كيان جغرافي أو حضاري. ما أود قوله هو أن هذا التقطيع ليس شأنا مغربيا، إنه تقطيع دخيل لا يتوافق مع ما كان معهودا في أنظمتنا التعليمية التقليدية التي ما كان تطورها ليؤدي إلى نفس التقطيع.
إن هذه المعاينة ستجر بدورها إلى القول بأن التأثيث المعرفي لعناصر التقطيع (ابتدائي – إعدادي – ثانوي – عالي) سيكون بدوره دخيلا، ويحدث طفرة دون أن تؤخذ بعين الاعتبار الحركية التربوية والمعرفية التي تستغرق زمانا ضروريا، وتعرف أحداثا تتراكم فيها وعبرها خبرات واجتهادات مشروطة بمعطيات سياسية واجتماعية وعقدية.
أما المستوى الثاني في التعامل مع السؤال المطروح، فهو الذي يتعلق بالمادة المعرفية، ويتعلق الأمر هنا بالفلسفة، التي هي أيضا محصلة معطيات اجتماعية لنمط من المؤسسة المدرسية، وهو الذي يترتب عن عملية انتقال وتحول من تصور تقليدي لتعليم مرتبط بالمؤسسة الدينية، وبزوغ مؤسسة تعليمية ذات أهداف دنيوية حداثية تقصي الوصاية الدينية، وتكون مهمتها تكوين كفاءات تتولى جملة من المهام التي يستوجبها التدبير الإداري والسياسي لمجتمع ودولة لا يحكمهما سلم القيم الدينية، ولا تراتبية رجال الدين.
إن درس الفلسفة، في سياق هذه المدرسة العلمانية، لم يتأسس دفعة واحدة، بل كان نتيجة لصراعات اجتماعية وفكرية وإيديولوجية، لا سبيل إلى الدخول في تفاصيلها… ويكفي القول بأن المخاض الذي أدى إلى ميلاد الدرس الفلسفي في السياق الغربي، وخاصة في فرنسا بدأ في الجامعة قبل أن يجد طريقه نحو المرحلة الثانوية، بل وفي كثير من الأحيان بدأ في الأوساط السياسية قبل أن يتداول حوله رجال الجامعة.
إن الحديث، إذن، عن بدايات درس الفلسفة بالتعليم المغربي، بل وحتى تحولاته، هو حديث مصدره براني وارد مع التقطيع المدرسي المنقول من سياقه الأصلي، في الغرب، إلى سياق فرعي هو المغرب، المنتمي إلى الإطار الحضاري العربي الإسلامي، والذي يعيش وضع تخلف وانحطاط، بل وضع استلاب واستعمار. لذلك أقول جازما: إن الدرس الفلسفي في المغرب لم يعرف بدايات أو مسارات، بل عرف ترحيلا فجائيا من سياقه التاريخي الطبيعي في المدرسة الغربية إلى مؤسسة هي بدورها مرحلة من إطارها الحضاري والاجتماعي إلى إطار حضاري تبعي ومهيمن عليه. وما يعزز طرح المسألة بهذا الشكل هو أن درس الفلسفة، مضمونا وأسلوبا ولغة، قد أدمج كمادة معرفية في مرحلة أولى داخل المدرسة الاستعمارية التي كانت مخصصة لأبناء الفرنسيين، ولعدد ضئيل من أبناء الأعيان المغاربة، بما تحمله كلمة الأعيان من شحنة سياسية. وبنوع من التعميم الفجائي أدمج الدرس الفلسفي في بقية الثانويات العمومية والخاصة قبل سنوات الاستقلال بقليل، واستتب الأمر لهذا الدرس بعد رحيل الاستعمار.
إن ما حصل هو أن حداثة الدرس الفلسفي في المؤسسة المدرسية بالمغرب، وحداثة عهد الدولة المغربية المستقلة بتدبير النظام التعليمي، لم تسمح بأن تعكف هذه الدولة على إعادة تأسيس المدرسة المغربية، بل استمر الأمر على ما هو عليه، ووقع تكريس النظام المحول الدخيل الذي أراده الاستعمار للمغرب، ثم جاء القرار السياسي المرتجل بتعريب عدد من المواد التعليمية، ومن بينها مادة الفلسفة. وبديهي أن يؤدي الأمر إلى أضرار جسيمة تكبدها الأساتذة والتلاميذ، بل وتكبدها المجتمع برمته.
أخلص إلى أن درس الفلسفة في المرحلة الثانوية بالمغرب لم يكن وليد تطور تاريخي، تبرره ديناميكية سياسية وعقدية داخل المجتمع ومؤسساته التربوية، ولكن الأمر كان أشبه ما يكون بالاستنساخ غير المؤصل، ومقطوع الجذور عن هويته الحضارية والثقافية والعقدية… وحين شرعت شخصيا في تدريس الفلسفة بالمؤسسات الثانوية المغربية، وبالضبط أوائل الستينات من القرن الماضي، كنت مع زملائي تحت وطأة هذا الظرف العسير، الذي يطبق فيه برنامج تعليمي هو طبق الأصل من البرنامج الفرنسي، بلغة عربية ينقصها الكثير من المرجعيات الأساسية والمصطلحات التقنية الضرورية والمنهجيات التربوية والطرق التدريسية (الديداكتيكية). وما استطعت أن أقوم به، بفضل ما راكمته من خبرات معرفية حصلت عليها من تكويني الجامعي على يد أساتذة أفذاذ، هو أنني قمت بمعية زميلي الأستاذ محمد عباس نور الدين بإعداد كتاب مدرسي (مدخل لدراسة الفلسفة)، وهو نسخة طبق الأصل من الكتاب المدرسي الفرنسي لـ"دونيس ويزمان"، مع إضافات وتوسيعات أتاحت إحضار بعض الإسهامات الفلسفية للفكر العربي الإسلامي. وقد ملأ هذا الكتاب فراغا كان يحس به كل الممارسين لدرس الفلسفة في مجموع ثانويات المغرب، وقد لمست ذلك من خلال جولة قمت بها لعديد من الجهات.
إن إشكالية درس الفلسفة لم تطرح في المغرب، كما أرى، إلا مع بداية الحركية السياسية، أو بعبارة أخرى الصراع السياسي بين النخب الحاكمة التي كانت تتبنى خطا سياسيا تقليديا أو تبعيا لإيديولوجيات الغرب الليبرالي، والنخب السياسية المعارضة التي تبنت إيديولوجيات الشرق الاشتراكي. في إطار هذا الصراع عرف مسار الدرس الفلسفي نوعا من المد والجزر في مضامينه ومناهجه، كما كان موضوع مواجهة حادة بين مؤيديه ومعارضيه، فكان عرضة للإلغاء، أحيانا، وللخنق بدعاوى مسيسة أو عقدية، أحيانا أخرى.
إن تطور الدرس الفلسفي من عهد الحماية إلى الآن لم يعرف منطقا تاريخيا، وإنما عرف مسارا ذرائعيا تحت وطأة الحاجة والممارسة غير المؤصلة. ومازلنا لحد اليوم نعاني من عواقب هذه الوضعية الغريبة، مما يفرض إعادة نظر جذرية لتأصيل الدرس الفلسفي بما يتوافق مع الشرط الحداثي، وفي أفق يجمع بين الأغراض التكوينية والأغراض المعرفية.
سؤال: على إثر إشارتكم لمرحلة تعريب الفلسفة، هل كان التعريب نتيجة لحاجة المجتمع المغربي وثقافته إلى تعليم فكر عقلاني تنويري يؤسس للتقدم والحداثة؟ أم كان عملية لغوية خالصة تستهدف التدريس بالعربية حصرا؟
ذ.القباج: واضح من الإجابة على السؤال التركيبي الأول أن تعريب الدرس الفلسفي في المغرب لم يكن وليد حاجة لصيقة بالمجتمع وتحولاته، كما لم يأخذ بعين الاعتبار متطلبات الثقافة الوطنية. وبفضل التباعد الزمني عن تلك المرحلة أحسب أن تعريب الدرس الفلسفي لم يكن وراءه هاجس العقلنة والتنوير، بقدر ما كان بهدف إحداث اضطراب في البنية العقلية للأساتذة والتلاميذ، حتى لا يتاح للنظام التعليمي أن يطرح الأسئلة الحقيقية حول واقع ومستقبل الدرس في حد ذاته، وأن تعالج أوضاعه بمنظور العمل التأسيسي لبناء الدولة الحديثة.
قد يطلب مني أن أدلل على هذه الدعاوى، حتى لا نحرف التاريخ أو نرجم بالغيب، فأقول: لدي أكثر من دليل، لكني سأقتصر على ذكر ما أراه أكثر حجية وملاءمة مع الصيرورة التاريخية للدرس الفلسفي… فالدليل الأول هو أن التعريب اقترن بفصل حاد بين الفلسفة الغربية العامة والفكر العربي الإسلامي، الذي كان يحتوي على دروس لا تمت بصلة إلى الفلسفة، وبما يوحي، بشكل واضح، أن هذا الفكر من خلال مضمونه العقدي هو الأساس في بناء الأمة، وأن الفلسفة الغربية مرجعية للاستيناس تبرر الأصالة والخصوصية.
والدليل الثاني هو أن البرنامج الفلسفي عرف تبدلات وتغييرات متلاحقة ومتواترة، لدرجة أن هذا البرنامج لم يعرف نوعا من الضبط المعرفي لحد الآن: مرة يعتمد فيه على الموضوعات، ومرة ثانية على الإشكاليات، ومرة ثالثة على النصوص، ومرة رابعة على الاستعراض التاريخي للأنساق والفلاسفة.
أما الدليل الثالث فهو أن درس الفلسفة لم يعرف وضعا مؤسسيا قارا من حيث الحصص والمعاملات، سواء بالنسبة للشعب الأدبية أو العلمية أو التقنية. وهذا يعني أن المشرع غير مرتاح لوضع هذا الدرس ووظيفته التكوينية.
والدليل الرابع هو أن الدرس الفلسفي كان عرضة لتهجمات بعض رجال السياسة، من جهة، ورجال الدين، من جهة أخرى. وفي حالات كثيرة كان رجال السياسة ورجال الدين يتحالفون في جبهة واحدة ضد الفلسفة لإقصائها، أو على الأقل تدجينها بأي شكل من الأشكال. وللتاريخ أقول إنه لولا نباهة الملك الحسن الثاني رحمه الله في مجلس للوزراء لاتخذ القرار النهائي والحاسم بإلغاء درس الفلسفة في التعليم الثانوي، بناء على تقرير تقدمت به لجنة كان يترأسها وزير مرموق كان محسوبا على النزعة المعادية للدرس الفلسفي، مبررها في ذلك أن هذا الدرس ينشر أفكارا متطرفة ضد الدولة وضد الدين، وذلك في منتصف السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي.
سؤال: لقد أشرتم الأستاذ القباج إلى تغير وتبدل برامج الدرس الفلسفي، وهذا أمر ملحوظ عندنا… فإذا كان درس الفلسفة، اليوم، يشتغل على المفهوم الفلسفي ويوظف النصوص الفلسفية، فقد سبق ذلك العمل بالبرامج التي تضمنت "قضايا وإشكاليات فلسفية"، كما تناولت برامج سابقة "تاريخ الفلسفة وتطورها"، واشتغلت أخرى على مجالات فلسفية، مثل "الميتافيزيقا والأخلاق" و"المنطق ومناهج العلوم" و"العلوم الإنسانية"، إضافة إلى حضور الفكر العربي الإسلامي… كيف يمكن النظر إلى هذا التغيير الذي لحق برامج الفلسفة بالثانوي؟ هل استدعته مستجدات الفكر الفلسفي وما تعرفه الساحة التربوية من تصورات جديدة وإبداعات، داخل المغرب وخارجه؟ وهل لذلك علاقة بحاجات اجتماعية وأسئلة يطرحها واقع المجتمع المغربي؟ أم حكم ذلك منطق تقني مؤسسي خالص، توجهه تعليمات الوزارة الوصية على التربية والتعليم كلما حان وقت إصلاح البرامج والمقررات ضمن الأهداف العامة لهيكلة النسق التعليمي؟
ذ.القباج: نعم، إن الحديث عن مراحل تدريس الفلسفة بالثانوية المغربية يحيل إلى النظر في تحولات المادة المعرفية والأساليب المنهجية، التي كان يشتغل وفقها ذلك التدريس. ويتعلق الأمر هنا بعدم استقرار البرامج والمناهج.
هذا صحيح. ولكن الحقيقة أنكم تقصدون بهذا السؤال أن أذهب بعيدا في التحليل إلى أقصى درجة من الوضوح والصرامة، فأقول لكم: كان من المفروض، حين طرحت إشكالية درس الفلسفة الناجمة عن عملية التعريب المبتسرة، أن يتولى أساتذة الفلسفة في الجامعة والتعليم الثانوي معالجة الإشكالية بتساؤلات جوهرية، خاصة وأن المغرب كان يتوفر آنئذ على مجموعة من الرواد في هذا المجال. ومن أهم تلك التساؤلات: هل يراد إكساب التلاميذ والطلبة مناهج في البحث النظري المجرد؟هل يراد تدريب التلاميذ والطلبة على التفلسف الذي يشغل العقل، وينور الفكر، مما يكسبهم كفاءة التعقل ومهارات الحجاج المنطقي؟
كان من المفروض أن لا يترك أمر معالجة أوضاع الدرس الفلسفي بيد الأجهزة الإدارية للدولة. لكن الأمور سارت على عكس ما كان مفترضا، وعلينا تدارك الموقف بتنظيم مناظرة وطنية تحضرها الأركان العامة للفلسفة وتدريسها في الجامعة، وفي مؤسسات التعليم الثانوي، يكون عليها صياغة درس مطابق لتطلعات المرحلة في اتجاهات ثلاثة: اتجاه أول يروم الحسم في الهدف العام من تدريس الفلسفة أو التفلسف، واتجاه ثان للحسم في مضمون الدرس، على أن لا يقوم فيه فصل تعسفي بين ما هو فلسفي عام وما هو من مشمولات الفكر العربي الإسلامي الخاص، واتجاه ثالث لصياغة الأسلوب البيداغوجي والديداكتيكي الملائم، مع الاستفادة من مكاسب الثورة التكنولوجية في مجالي المعلوميات والتواصل.
سؤال: نريد أن نثير مسألة أشرتم إليها بإيجاز، وهي مسألة حضور الفكر العربي الإسلامي في برامج تدريس الفلسفة… فهذه المسألة أثارت، وما تزال تثير مناقشات وجدالات توجهها خلفيات ومرجعيات مختلفة. كيف تفسرون ذلك؟؟ وما جوهر هذا الإشكال؟؟ وهل لديكم رؤية لحله وتجاوزه؟
ذ.القباج: بخصوص هذا الجانب بالذات، وكما أشرت إلى ذلك، فإن على الأركان العامة للفلسفة أن تجد الصيغة الأنسب ليكتسب الدرس الفلسفي الوحدة الموفقة بين العام والخاص، أي بين الفلسفة بالمفهوم الكوني العام، وبين الاهتمامات الجهوية التي طرحت طرحا فلسفيا في إطار الفكر العربي الإسلامي.
هذا يعني، بصريح العبارة، أن نفرز ما هو فلسفي محض في التراث العربي الإسلامي، ماضيا وحاضرا، وفي رؤية استشرافية تجعل من منتوجنا الفلسفي الجزء الذي لا يتجزأ من الاهتمامات الفلسفية الكونية التي تطرح الإشكالات التي يواجهها الإنسان كفرد أو جماعة.
حقيقي أن هيجل، مثلا، حين كان يتفلسف ويبني نسقه العام، كان يمارس تفكيره في إطار جغرافي وتاريخي معين، غير أن حصيلة جهده الفلسفي كانت تتجاوز هذا الإطار كي تندرج ضمن حقبة حضارية أوسع وأشمل تغطي رقعة الكون في عمومه. لقد كان يرصد واقعا نسبيا، ولكن برؤية شمولية مجردة، إن لم نقل مطلقة. لذا نحن في أمس الحاجة إلى درس هاجسه هذه المقاربة الكونية الشمولية، ما دام العقل أو الحس السليم على حد تعبير "روني ديكارت" أعدل الأشياء قسمة بين جميع البشر.
أود أن أقول هنا بأن الغرب لا يقصي إسهامات المفكرين العرب والمسلمين في الحقل الفلسفي جهلا أو تصغيرا، بل إن الغرب رفض أن ينوب عنا في تثمين إنتاجنا النظري. ومع ذلك فإنه لولا أن هذا الغرب تولى الشأن الرشدي لما كان لهذا الشأن أن يلعب دوره، ويستثمر في دائرة الصراع بين الكنيسة وبين التيارات الفلسفية العقلانية. علينا أن نتولى شأن تراثنا الفكري لنفعله على أرضية الاهتمامات الفلسفة الكونية.
سؤال: الأستاذ القباج، نود أن تتفضلوا الآن بالحديث عن أداة أساسية في تدريس الفلسفة، كما في أية مادة أخرى، وهي أداة ترتبط بالبرامج والمقررات، ويتعلق الأمر بالكتاب المدرسي. وقد كانت لكم تجربة في الموضوع.. هل يمكن، هنا أيضا، أن نحدد مراحل معينة في صيرورة تأليف الكتب المدرسية الفلسفية بالمغرب..؟
ذ.القباج: إن إقدام الأجهزة الإدارية للدولة على فرض اعتماد كتاب مدرسي واحد، ووحيد، في الدرس الفلسفي أعتبره من الأخطاء القاتلة التي أدت إلى تغييب الدرس الفلسفي في بلادنا. والحالة أنه في مختلف أقطار الغرب، التي صدرت لنا هذا الدرس المؤسسي، لم يفرض كتاب مدرسي واحد يحتكر السوق التعليمية، بل كانت تتواجد عدة كتب، وعدة مرجعيات تعليمية يترك أمر الاختيار فيها للأساتذة وللتلاميذ وفق معايير منمطة لتيسير أمر التقييم المدرسي.
إن انتهاج الأجهزة الإدارية لأسلوب اعتماد الكتاب المدرسي الوحيد أتاح لاتجاهات سياسية وإيديولوجية أن تسود الساحة الفلسفية والفكرية في المغرب، وهي اتجاهات كان من الضروري أن توجد وتتفاعل في المحيط العام، ولكن خارج أسوار المؤسسة المدرسية حتى لا تستحوذ على العقول الصغيرة كحقائق وجودية مطلقة، ربما تتعارض مع ما هو نسبي وجهوي له علاقة ببناء الدولة كإطار سياسي عام.
من ناحية أخرى، أكيد أن الظاهرة العولمية بما أحدثته من رجات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية سيكون لها دور حاسم في النظر إلى أي منتوج نظري أو عملي أو مادي، من خلال زاوية المنافسة ومتطلبات الجودة وتقليص دور الأجهزة الإدارية للدولة، واتجاه نحو خوصصة المؤسسة المدرسية مما يستوجب الاتجاه نحو الاختيارات الحرة والمفتوحة للأجود من الأدوات التعليمية بما فيها الكتاب المدرسي، ولربما للأنسب من البرامج والمناهج.
سؤال: وكيف يمكن تقويم تجربة التأليف المدرسي: إلى أي حد شكل الكتاب المدرسي أداة تربوية فعالة في تعليم الفلسفة وتعلمها؟؟… وهل له دور ما في إشاعة الثقافة الفلسفية وترسيخها؟
ذ.القباج: ربما يتبين من جوابي على السؤال السابق، وبوضوح تام، إن الكتاب المدرسي الواحد والوحيد أداة لا تربوية، أداة قامعة جعلت الدرس الفلسفي يشتغل في إطار أهداف ليست هي المبتغاة منه، أي التفلسف غير الموجه، الأمر الذي أدى إلى مواقف مناهضة للفلسفة ذاتها، ووضعها موضع تساؤلات غريبة عن جدواها ومردودها التكويني والمعرفي، بل ومكانتها في المجتمع ككل. ولست أنا الوحيد الذي كان يقول بأن أسباب الهجومات العنيفة على الدرس الفلسفي، والدعوة لإقصائه من النظام التعليمي، تكمن في اعتماد الكتاب المدرسي الوحيد، الذي عليه أكثر مما له. وأعتقد شبه جازم أنه لو تعددت المرجعيات المدرسية في مادة الفلسفة لعرفت هذه المادة توسعا كبيرا يتجاوز أسوار شعب الكليات المتخصصة إلى شعب أخرى في الكليات الأدبية والعلمية والتقنية، كمادة داعمة لمختلف التخصصات، بل وكمادة تتضمن أبوابا تهتم بالمناهج العلمية والدراسات الإبستمولوجية.
سؤال: وماذا تقترحون للنهوض بتجربة التأليف المدرسي في حقل تعليم الفلسفة بالثانوي؟
ذ.القباج: أعتقد أن ما ينبغي اعتماده في مجال التأليف المدرسي هو فسح المجال لكل الفاعلين في الحقل الفلسفي لإغناء المرجعيات التعليمية. ومن شأن هذا أن يفتح باب الاجتهاد من جهة، وتنويع مصادر التكوين الفلسفي من جهة ثانية، وحصول تراكم معرفي ربما يؤسس لفكر فلسفي له حضور كوني من جهة ثالثة.
إن تنويع مصادر التكوين الفلسفي سيتيح للتلميذ وللطالب أن يتجنب المهارات التقليدية في العملية التعليمية، كالاستظهار والتقليد والتلفيق، خاصة وأن الأساتذة دأبوا على إقناع التلاميذ بأن الإنتاج المتميز يتجلى فيه إعمال العقل والمنطق والمخيلة.
سؤال: الأستاذ القباج، لقد اشتغلتم في مجال تكوين مدرسي الفلسفة بالثانوي، فهل يبدو لكم هذا التكوين ضروريا، وهل له دور في ممارسة التعليم الفلسفي؟
ذ.القباج: لا أريد أن أطيل عليكم برصد لتأريخ تكوين مدرسي الفلسفة بالثانوي على الخصوص، ولكني سأحاول أن أقوم بتوصيف عام للتقييم الذي أفضت إليه تجربتي الشخصية طيلة سنوات العمل في كلية علوم التربية. فمن خلال الملاحظات النسقية للعمليات التعليمية، ميدانيا، أصبحت لدي، ولدى العديد من الزملاء، اقتناعات راسخة بأن الشهادات الجامعية لا تكفي وحدها كمؤهل لتدريس الفلسفة أو التفلسف، بل لا بد من تكوين تربوي وتعليمي لكسب المهارات والقدرات التي تنظم المادة التعليمية، وتيسرها للفهم، وتساعد على تحقيق أغراض التحليل والتركيب والإبداع.
وقد سجلت مجموعتنا التي أطرت تكوين مدرسي الفلسفة، بكلية علوم التربية لعدة سنوات، أنها وقعت بدورها في أخطاء جسيمة. فقد كانت تحسب أن ضبط المهارات وترجمتها إلى سلوكات شبه آلية، وصارمة صرامة الرياضيات، قد يساعد في إتقان التدريس وتفعيله من خلال تبني نظرية الأهداف، ومن خلال استعمال تقنيات التعليم المصغر. والحقيقة أن ضعف المخرجات أو محصلة التلاميذ، سواء من حيث المضمون أو المقاربة أو الأسلوب أو اللغة، هذا الضعف هو الذي نبهنا إلى تلكم الأخطاء، وحينئذ بدأنا نطرح على أنفسنا تساؤلات، بل وبدأنا نتشكك في جدوى منهجية تكوين مدرسي الفلسفة بالنظر إلى خصوصية هذه المادة.
لقد تأدينا إلى نتيجة نهائية، وهي أنه إذا كان هناك من تكوين ضروري لممارسة تدريس الفلسفة، أو التفلسف، فهو التكوين الذي يكسب خريج شعب الفلسفة مرونة بيداغوجية وديداكتيكية بواسطة تمارين معرفية ترسخ في العقل المفاهيم والأنساق والنظريات الفلسفية، والتمثل الكامل للغة الفلاسفة. تكاد هاته المرونة أن تكون شبيهة بالتي تكون مطلوبة عند الطبيب أو لاعب كرة القدم أو أية رياضة أخرى. فالطبيب، مثلا، حين يشخص حالة مرضية لتقرير العلاج الأنسب لا يكون عليه استحضار كل ما تعلمه في كلية الطب، وعلى مدى سنوات التكوين، بل عليه فقط أن يكون قد حول محصلاته إلى خبرة ومهارات تسعفه في سرعة تحديد العرض وأسبابه وعلاجه. وكذلك الأمر بالنسبة للرياضي، ففي موقف معين وبالاستفادة من كل التمارين التي مارسها، عليه أن يتخذ قرارا سريعا يؤدي به الحركة الملائمة والفعالة، في شكل مراوغة أو تمريرة أو عدوانية إيجابية…إلخ.
ما ينبغي أن يكون عليه مدرس الفلسفة أو التفلسف، أي أن يتوفر على مرونة معرفية وبيداغوجية وديداكتيكية تفيده في التعامل مع التلميذ أو الطالب. انطلاقا من هذه المقاربة لا بد من إعادة النظر في الأسلوب الذي ننهجه لتكوين مدرسي الفلسفة في كلية علوم التربية، أو في المدارس العليا للأساتذة.
سؤال: وما هي اقتراحاتكم؟
ذ.القباج: أصدقكم القول بأني لا أتوفر حاليا على نموذج لتكوين أفضل لمدرسي الفلسفة، في شكل مساقات أو أعمال تطبيقية، ذلك يفرض القيام ببحث طويل النفس، والتماس مرجعيات متنوعة ومتعددة. لكن الأساسي، وكما قلت أعلاه، هو رسم إطار عام لما نريد أن يكون عليه التكوين التربوي والتعليمي لمدرسي الفلسفة، أو التفلسف، آخذين بعين الاعتبار ما تم الاتفاق عليه دوليا من ضرورة الإقدام على ثورة في هذا المجال من خلال أهداف أربعة نص عليها التقرير الذي أشرف عليها جاك دولوز الصادر تحت عنوان "التعليم ذلك الكنز المكنون"، لفائدة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وهذه الأهداف هي:
ـ تعلم كيف تنجز تعليمك.
ـ تعلم لتعمل.
ـ تعلم لتكون.
ـ تعلم لتعيش مع الآخرين.
في إطار هذا التكوين المرغوب فيه لا بد من إيلاء عناية خاصة لما تتيحه تكنولوجيات المعلوميات والتواصل، التي أصبحت ترسخ استقلالية المتعلم واتساع رقعة المضامين المعرفية والمعلوماتية للبرامج، بالإضافة إلى التغيير الجذري الذي طرأ على المؤسسة المدرسية من مؤسسة للدمج إلى مؤسسة تحريرية تكون التلاميذ لزمان هو غير زمان الأساتذة.
سؤال: نعم، وعلى ضوء التشخيص الذي سجلتموه لحد الآن، هل يمكن الحديث عن مكتسبات حققها تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي بالمغرب؟
ذ.القباج: لا أحد ينكر الإسهامات الإيجابية لتدريس الفلسفة في المغرب، أو غيره من بلدان العالم. لقد أتاح هذا التدريس، على الأقل، أن نرسخ في أذهان المتعلمين وجود طريق آخر لإدراك الحقائق وللحصول على المعرفة، هو طريق العقل، الذي هو غير طريق الاعتقاد والوجدان. كما أتاح هذا التدريس الفلسفي نشر وعي عميق وأساسي بأن حركات النهوض الحضاري مشروطة دوما بظهور تيار تنويري، مصدره هو التفلسف أو إعمال العقل، من شأنه عدم الاستسلام إلى الأوضاع الراهنة، أو التيارات السائدة.
إن تحريك العقول عملية مطلوبة دوما للانتقال من حال إلى حال، وليس هناك أخطر من تيار يدعو إلى الاستكانة والرضا بما هو قائم. لذلك كنت أوافق جاك دريدا حين يقول بأن ظهور نزعات معادية ومهاجمة للفلسفة هو أفيد من النزعات المؤيدة لها، لأن النزعة المعادية المهاجمة تجند الفلاسفة الحقيقيين لأن لا يستكينوا إلى وضع جامد وحلول نهائية، فذلك هو الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل الفلسفة.
سؤال: وفي تصوركم هل هناك صعوبات يجدر الاهتمام بها حاليا؟ وكيف يمكن تجاوزها؟ وما هي الآليات المساعدة على ذلك التجاوز؟
ذ.القباج: لا أعتقد أن هناك صعوبات لا يمكن تجاوزها والتغلب عليها، سواء أكان الأمر يتعلق بوجود تيارات معادية للفلسفة والتفلسف، أو سلوكات تتعارض مع الروح الفلسفية.
لكن أعود فأؤكد أنه آن الأوان ليتولى الفلاسفة أمر تدريس الفلسفة، فالأمر من الصعوبة والخطورة مما يجعل الأجهزة الإدارية للدولة غير مؤهلة لمعالجته. لا بد أن يلتئم اجتماع للأركان العامة للفلسفة، والمقصود بهذه الأركان كل المنتجين والمبدعين في المجال الفلسفي، من أجل صياغة جديدة لدرس الفلسفة أو التفلسف، كدرس مؤسسي ومعرفي في نفس الآن، والاتفاق على المستلزمات التربوية والتعليمية التي ينبغي أن يتوفر عليها أستاذ هذه المادة في الكليات والثانويات.
إن الصعوبة الوحيدة التي لا يمكن التغلب عليها، أو تجاوزها، هي تكلس المعارف الفلسفية، وجمودها، وتردي المستوى المعرفي للأساتذة وتوقف الإنتاج الفلسفي. هذه الصعوبة في كل مظاهرها تعني انحطاط الفكر وجمود العقل.
سؤال: وإذا تأملنا، الآن، في حاضرنا المغربي، فإنه يبدو أن هناك مجموعة من المتغيرات التي تؤشر على وجود تحولات مجتمعية بالمغرب. نريد أن نتساءل: ما موقع الفلسفة داخل هذه التحولات، وخاصة من حيث علاقتها بالسلطة حسب مفهومها الجديد؟
ذ.القباج: من طبيعة الفلاسفة الحقيقيين أنهم لا يغترون بالمؤشرات الظرفية التي توحي بالأمل في حدوث تحولات اجتماعية أو سياسية إيجابية. في كثير من الأحيان تتخذ هذه المؤشرات صيغة دعائية لا تعكس الحقيقة، ولا تبين عن المجهود الفعلي الذي ينبغي بذله لإحداث التحول المؤمل سواء على مستوى المؤسسات أو البنيات أو الأجهزة السلطوية أو الترسانة القانونية.
إن الفيلسوف بوصفه من فئة المثقفين لا ينبغي له أن يزكي وضعا أو يصفق لإجراء. الفيلسوف الحق كالمثقف الحق هو الذي يبحث دائما، حتى في ظل الأنظمة الأكثر مثالية، عن أدنى خلل ممكن لكي يدفع بهذه الأنظمة بأن لا تغتر بذاتها فتتوقف عن سعيها إلى بلوغ ما هو أفضل.
إن ما يقع في المغرب راهنا شيء إيجابي، ولكن لا ينبغي بسببه أن نضع حدا للقلق الفلسفي الذي هو قدر الفلاسفة مهما كانت درجة إتقان الأنظمة في أداء المهام الملقاة على كاهلها.
سؤال: إذ نشكركم، الأستاذ القباج، على تفضلكم بإجراء هذا الحوار، ونقدر فيكم سعة صدركم وصراحتكم، نطلب منكم الختم بكلمة أخيرة؟.
ذ.القباج: هذا السؤال هو استنساخ للصورة التقليدية التي ينتهي بها درس ديني لالتماس الختم من ولي الأمر، فالختم بذلك دعاء والتماس..
في الفلسفة ليس هناك ختم ولا رجاء. ليست في الفلسفة نقطة نهاية، بل تبقى الإشكالات مفتوحة، فالأجوبة بدورها تتحول إلى أسئلة جديدة، كما يقول كارل ياسبرز. لذلك فإن السؤال الذي استنبطته من الأجوبة التي أتيت بها: هل يا ترى أن مقاربتي لأوضاع درس الفلسفة أو التفلسف في المغرب هي المقاربة الصائبة؟ أكيد أنها غير صائبة مائة في المائة: كيف السبيل إلى مقاربة أصوب؟ ذلكم هو الورش الفلسفي المفتوح.

أجرى الحوار: جمال هشام عبد المجيد الانتصار


عدل سابقا من قبل كمال صدقي في الخميس أكتوبر 29, 2015 11:45 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   الخميس أكتوبر 29, 2015 7:48 am

النموذج الثالث

من المواقف التي وجب الانفتاح عليها بخصوص تقييم وتجويد شروط الدرس الفلسفي موقف الأستاذ محمد سعد: استاذ مبرز، مكون في علوم التربية و الديداكتيك بالمركز الجهوي لمهن التربية و التكوين.سطات بنسليمان.والذي قدّم أبحاثا نوعية وجدية، الأمر الذي استوجب تعميم أبحاثه.



نقيضات العقل الفلسفي المدرسي

محمد سعد

يتجه هذا المقال إلى فحص طبيعة الروابط بين تعليم الفلسفة و المعارف الحاصلة في تاريخ الفلسفة و الحقل البيداغوجي، يبد أن هذا الفحص يقتضي بداية مسألة المعرفة و أشكال التعرف التي يشكلها تعليم الفلسفة حول ذاته. تبدو هذه المعرفة من وجهة نظر سيكولوجية متوثرة بين تعارضات داخلية تجعل من الشخصية النفسية و الذهنية لتعليم الفلسفة على درجة عالية من الإزداوجية و الخلل. نستعيرها هنا من نقد العقل الخالص لإيمانويل كانط أدوات هذا التحليل، خصوصا تشخيص نقيضات العقل. و نود أن يكون العقل المدرسي الفلسفي هو موضوع تشخيصنا و النقيضات المستخرجة هي بعض من التمزقات الداخلية لهذا العقل.

النقيضة الأولى:

على الرغم من تشديـد الدرس الفلسفـي على العلاقة الجوهرية بين التفلسف و الدهشة (الاندهاش)، إلا أن هذا الدرس و أيضا معلمي الفلسفة لا يخضعون ذواتهم لإعادة التفكير، و لا يتوقفون لوضع مسافة بينهم و بين ذواتهم أو ما يمكن تسميته بالعودة إلى الذات. يعشش داخل تدريس الفلسفة يقين دوغمائي غامض يتغذى من جهة على الثقة الزائدة في الذات التي تعبر عنها الوثائق الرسمية و البرامج و تكنولوجيا الديداكتيكا، و من جهة ثانية على التعارض القائم بين العلم الفلسفي و الرأي ( الدوكسا)؛ و هذا التعارض يخدم بشكل غير مباشر اليقين بسمو المعرفة الفلسفية، و شرف درس الفلسفة، و صدقية أفكار معلم الفلسفة إزاء متعلميه و أفراد المجتمع بشكل عام، لكن هذا التعارض و إن كان مفيدا في الحصول على متعة نرجسية إلا أنه في الواقع يجعل الدرس الفلسفي يخسر قضيته و أهدافه.

النقيضة الثانية:

الدرس الفلسفي هو أولا درس مدرسي، و مادة تلقن للتلاميذ إلى جانب مواد أخرى، و لا يتوقف هذا الدرس عن تمجيد ذاته باعتباره تتويجا للمسار الدراسي للتلميذ في التعليم الثانوي، و شكلا كاملا (أنطلاشيا) لوجود ما هو بالقوة في وجود بالفعل، و قد لا يطرح هذا التمجيد مشكلا، في نظرنا، لو كان الدرس الفلسفي يعترف بالتزاماته البيداغوجية، إلا أن الواقع يكشف العكس؛ فأغلب الزملاء في المهنة يتصورون الدرس الفلسفي خارج حدود الديداكتيكا؛ بل ينظرون بعين الريبة للبيداغوجيا كمعرفة » هجينة « و » مشبوهة « ، كما أن الأرثودوكسية الفلسفية تعبر عن تطرفها دوما بالقول » لفلسفة بيداغوجيا خاصة محايدة لتاريخها و لذاتها « ، فمعلم الفلسفة يعيش هذا التوثر: يدرس الفلسفة و يرفض البيداغوجيا.

النقيضة الثالثة:

نشرت لو فيغارو ما غازين في عدد ماي 2002 قولا للوزير الفرنسي السابق و الفيلسوف لوك فيري الذي يعبر، في نظرنا، عن النقيضة الثالثة بدقة شديدة » لقد تغير شيء ما بالمقارنة مع سنوات السبعينيات و الثمانينيات في الفلسفة الفرنسية المعاصرة، لقد مد عدد من المفكرين من جيلي جسورا واصلة مع التساؤل الفلسفي كما مارسه بشكل أصيل قدماء الأغريق؛ لم نفهم أبدا الفلسفة، فقط،، كخطاب جامعي تخصصي، و إنما هي بالنسبة لنا شكلا أو طريقة للوجود و التواجد في العالم: في انسجام و تناغم مع الأجيال القادمة « ،

نعثر في هذا القول على تنكر لهذا الأستاذ الجامعي للخطاب الجامعي نفسه من خلال إدانة الخلط بين أستاذ الفلسفة و الفيلسوف، لكن المقلق أكثر هو عدم الوضوح في الحدود بين


» تدريس خطاب جامعي حول الفلسفة « و »طريقة للوجود في العالم « غموض يتغذى على ميوعة تعريف الفلسفة بين حدي: معرفة مدرسية و موقف وجودي.

يضعف هذا التعارض الحدي من مصداقية الفلسفة في عين التلميذ وولي أمره و الأستاذ نفسه. و كثيرا ما نسمع بعض التلاميذ يصرحون أن تدريس الفلسفة لا يفيدهم في حياتهم، بل لا يتعدى أن يكون مادة دراسية سرعان ما يجب نسيانها بعد اجتياز الامتحان بفعل الصعوبات الشديدة التي تطرحها أما عقولهم الصغيرة و المتعبة.

النقيضة الرابعة:

يتم النظر في غالب الأوقات إلى الفلسفة و تدريس الفلسفة كتتويج لمسار معرفي و دراسي.

الفلسفة هي تلك المعرفة التي تستدعي مكتسبات معرفية سابقة في حقول متعددة، و هي هنا أشبه بمعرفة للمعرفة أو معرفة متعالية و أفقية لكل المعارف، و الدرس الفلسفي هو تتويج لمسار دراسي، مادام أن المتعلم لا يتعرف على هذا الدرس إلا في السنوات الأخيرة من السلك الدراسي (الثانوي) لكن هذه الصور المتعالية تخلق نوعا من التعارض أو التباعد على الأقل بين ما هو مطلوب من الفلسفة و الدرس الفلسفي، و بين واقع الحال، و ليس من أحد أن ينكر اليوم الفقر المعرفي المدقع الذي يشكو منه الدرس الفلسفي، حيث يختزل الفن في لوحة تشكيلية أو ترد الفزياء كلها إلى غاليلي و التاريخ إلى الثورة الفرنسية.

إذا كانت الفلسفة خطابا بستند إلى ثقافة قبلية، فلا بد من التأكد إن كان المتعلمون يمتلكون هذه الثقافة أم لا، حتى لا نظل في المأزق الحالي، حيث تكشف أوراق التلاميذ في امتحان الباكلوريا فقرا و انحطاطا معرفيا و لغويا رهيبا لا يطرح هذا المأزق أزمة تدريس الفلسفة فقط و إنما يسأل منطق التدريس ككل.
 
النقيضة الخامسة:

الشكل الثاني من الفقر الذي يعاني منه الدرس الفلسفي يتجلى في ضعف الارتباط بين الدرس الفلسفي وتاريخ الفلسفة؛ في فرنسا اليوم و بعض الدول المغاربية التي تعتمد على البيداغوجيا الفرنسية؛ غير أن تاريخ الفلسفة هو الأصل المعرفي للفلسفة، ليس الفلسفة سوى تاريخها.

يميل تدريس الفلسفة إلى اختزال التاريخ في نماذج ثابتة أو حلقات ضيقة و تراتبية لبعض الفلاسفة ( أفلاطون – ديكارت –كانط) و هذه الرؤية الضيقة لتاريخ الفلسفة تترسخ مع الأسف في ذهن أساتذة الفلسفة والتلاميذ على حد سواء على الرغم من اعتماد التدريس بواسطة الموضوعات أو المفهومات.

فالحقيقة كمفهوم يتم بحثها ضمن هذا المثلث: أفلاطون، و ديكارت، و كانط. و الفن بين أفلاطون و كانط.. تجعل هذه الرؤية التاريخية المحدودة تاريخ الفلسفة رهينا بالإغريق و الألمان بدرجة أولى، و تتجاهل المعطيات الأخرى لتاريخ الفلسفة كحوار و إسهام مشترك بين الشعوب يضمن حضورا للفلاسفة المسلمين و الفرس و الهنديين و الفلسفات الشرقية و الإفريقية، و كأن الدرس الفلسفي يقول للتلميذ: إن الفلسفة صناعة أروبية - إغريقية – جرمانية.

النقيضة السادسة:

يناضل الدرس الفلسفي اليوم من أجل مزاعم بلوغ الكوني و تحقيق الكونية، و بشكل عكسي يغرق هذا الدرس في نزعة مواطناتية إن لم نقل وطنية، يتجلى هذا في عدم الانفتاح على التقاليد الفلسفية خارج أروبا، و عدم حضور الثيارات الأنجلوساكسونية، خصوصا الفلسفة الأمريكية، و غياب الفلسفات الإيطالية و الإسبانية، و غيرها من الثيارات ذات السمعة الطيبة في الساحة الفكرية، كما يظهر أن الدرس الفلسفي سقط في الخصام المصطنع بين الفلاسفة و العلوم الإنسانية، هذه الأخيرة التي ينظر لها كمصدر خطر بسبب المنهج الوضعي لمعالجة الظواهر و القضايا الإنسانية. إن الكونية كما يفهمها هيجل تقتضي حركة تشميل الفكر من خلال المزيد من التعيينات التي تحقق جدلا بين الوحدة و التجزؤالدرس الفلسفي اليوم غير قادر على محاورة الحقول المعرفية الأخرى بشجاعة، بل إنه ينطوي على ذاته في حركة غير ناضجة لحماية الذات.

النقيضة السابعة:

يشكو الدرس الفلسفي من اضطراب في علاقته بالمؤسسة، من جهة، يقاوم الأساتذة النزعة الإدارية؛ كما قاوم سقراط النزعة السفسطائية، و كما قدم أفلاطون الفيلسوف كحكيم لا يخضع لسلطة أي أحد كان، سوى سلطة ذاته. و من جهة ثانية يتوهم الأساتذة و المفتشون أنهم الأعمدة المحورية للنظام المدرسي و الدولة و حماة الديمقراطية؛ يخفي هذا الوهم شعورا مؤلما يكتشفه هولاء المشتغلون من واقع أن الدولة و المدرسة و الديمقراطية يمكنها أن تتخلىعنهم، وأن تسير دون أن تتعرض لأن عطب.

النقيضة الثامنة:

لا يتوقف الدرس الفلسفي عن خدمة وحدة مزعومة للفلسفة أو الفكر الفلسفي، غير أن تعدد المذاهب و المناهج و المباحث الفلسفية دلائل تثبت أو الوحدة الجوهرية للفلسفة ليس إلا » تجريدا وهميا « ، أو صورة دوغمائية للفلسفة تضع نفسها خارج الزمن و الحركة التاريخية.

ولاشك أن الصورة اللاثاريخية للفلسفة هي ضد فلسفية، و لا تخدم صورة الفلسفة في عين التلميذ و المجتمع.

يتغذى هذا الطابع لللاتاريخي للفلسفة من التأويل الأفلاطوني للحركة و التغير كنقص يطبع العوارض و الأعراض، أما الجواهر الشريفة فهي مطبقة و أبدية؛ لكن هذا الموقف السلبي من الحركة في الزمان( حركة الاستحالة عند أرسطو) يجعل من الفلسفة معرفة لا تساير الواقع الاجتماعي الذي يحفل بمشكلات و قضايا تتجدد باستمرار و تتطلب مقاربات نظرية و منهجية متجددة؛ تجعل هذه الوحدة المزعومة للفكر الفلسفي؛ من جهة ثانية، الدرس الفلسفي في تعارض مع واقع حال من تاريخ الفلسفة، باعتباره حقلا مفتوحا للإبداع الثقافي الوفي لشروطه التاريخية ( الزمانية و المكانية).

حينما يعمد أساتذة الفلسفة تقديم تعريف عام و مجرد للفلسفة يواجهون به تعدد و تعارض الفلسفات و الفلاسفة و المذاهب التي تشوش على ذهن التلاميذ يكتشفون أن التعريف المجرد و العام لا معنى له، ولا يعني أي شيء بالنسبة لهم و للتلاميذفي الوقت الذي يقولون أن الفلسفة تفكير عقلاني، عليهم أن يواجهوا صعوبة تسوية المفارقة التي تطرحها مفهوما التفكير/الفكر و الصعوبة التي تطرحها العقلانية داخل تاريخ الفلسفة، إذ أن الكثير من الفلسفات كانت في مواجهة للنزعة العقلانية.

أما إذا كانت العقلانية لا تتعدى طريقة لاستخدام العقل، نكتشف أن كل المعارف هي نتاج نشاط عقلي بطرق متباينة، أما إن كانت هذه الطريقة تتحدد في استعمال صارم للتفكير وفق قواعد، لنقل منطقية، نكون في مواجهة الصعوبات التي يطرحها مفهوما البرهان و الجدل.

بمعنى علينا أن تقتحم دائرة الإشكال العسير؛ هل الفلسفة معرفة برهانية أو جدلية أو خطابية أو حجاجية؟

كل هذه الصعوبات تضاف إلى لائحة من الصعوبات الأخرى التي يطرحها أمامنا مسعى تعريف الفلسفة تعريفا جامعا و لا تاريخيا، تفرض علينا أن ننظر بشكل واقعي للتاريخ الفلسفي كحقل مفتوح لتشكيلات هندسية متباينة لا يمكن توحيدها إلا بشكل متعالي و مزعوم.
خاتمة:

تفرض هذه التعارضات التي تخترق لا شعور الدرس الفلسفي تحليلا سيكولوجيا بيداغوجيا دقيقا لأجل استعادة التوازن و المصالحة مع الذات و العالم الذهني و الواقعي على حد سواء.
إن إدانة التعارضات و فضح التناقضات هي المهمة التي قامت من أجلها الفلسفة مع سقراط و أفلاطون في مواجهة السفسطائية، إلا أن مكر التاريخ جعل الفلسفة اليوم دون مستوى احترافية الخطاب السفسطائي في فن الإقناع و بناء القول.
لا ينكر منكر اليوم أن خطاب الدرس الفلسفي لا يسحر أحدا، لقد أصبح باليا مثيرا للغثيان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   الخميس أكتوبر 29, 2015 11:55 am

النموذج الرايع.


من شروط الفلسفة إلى الفلسفة ………. محمد وقيدي
نشر في حريات يوم 18 - 08 - 2012
- 1 -
نجتمع اليوم لنتنادى في موضوع أسئلة تتعلق بشروط الفلسفة. وهذا يوحي منذ البداية أن الأمر لا يتعلق بقول في الفلسفة، بل بقول عنها. لكننا نعلم في الوقت ذاته أن البحث في شروط الفلسفة كان خلال تاريخ هذا النمط من التفكير بعضا من القول فيه. فقد اختلف الفلاسفة، في مراحل عديدة من تاريخ الفكر الفلسفي،حول ماهية الفلسفة ووظيفتها، وحول ما يمكن أن يكون موضوعا خاصا بها أو مجموعة من المسائل التي تتميز الفلسفة بتناولها عن أنماط أخرى من التفكير. اختلف الفلاسفة أيضا حول ما إذا كان من الضروري أن تتخذ الفلسفة صيغة نسق من النظريات المتماسكة، أو أن تكون مجرد مجموعة من المواقف المتخذة بصدد قضايا تختلف في طبيعتها وفي مستوى علاقتها بالوجود الإنساني.
نلاحظ من خلال قراءتنا لأسئلة الفلاسفة حول الفلسفة، منذ بدايتها وحتى الآن، أنه كلما حدثت تحولات في الشروط المرافقة لتفكير الفلاسفة، سواء كانت هذه التحولات علمية أو تاريخية أو مجتمعية أو سياسية، فإن الفلاسفة يعودون إلى ميدانهم ليدرسوا مدى تأثره بما يجري حوله من تحولات، وليجددوا النظر في حدوده وعلاقته بأنماط أخرى من التفكير، وفي وظيفته المعرفية والمجتمعية والتاريخية. وهذا ما جعل تعريفات الفلسفة تختلف باختلاف العصور على مدى تاريخها الطويل. وهذا ما جعل تحديد معناها جزءا من المهام التي كانت المذاهب الفلسفية تنتدب نفسها لها.
لكن، إذا كانت أسئلتنا اليوم تتعلق بشروط الفلسفة، فإنها لا تتعلق بالمستوى الذي ذكرناه فموضوع حوارنا اليوم لا يستند إلى تحولات في العلم أو في التاريخ أو في المجتمع أو في الفلسفة ذاتها. وليست غايتنا اليوم هي التجديد في معنى الفلسفة أو التعديل فيه أو التشكيك في المعاني التي يستخدم بها لفظ فلسفة في الوقت الحاضر. تنحصر غايتنا اليوم في البحث في شروط الفلسفة في بيئة محددة هي المجتمع المغربي الذي نعيش فيه اليوم، علما بأنه لا يمكن فصل هذا المجتمع عما هو جزء منه وعن الثقافة العامة التي ينتمي إليها، أي الثقافة العربية والإسلامية المعاصرة.
ما أن نبدأ في البحث في السؤال حول الفلسفة في هذا المستوى، حتى نتبين أنه لم يطرح لأول مرة في المجتمعات العربية الإسلامية، ولكن الصيغة والشروط مختلفان. لابد لنا أن نتذكر الجهود الفكرية التي قام بها الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد من أجل إدماج الفلسفة ضمن الثقافة العربية الإسلامية التقليدية. غير أن علينا أننتذكر إلى جانب ذلك المواقف التي اعترضت على الفلسفة عند الغزالي وابن خلدون وغيرهما. كان لهذه المواقف زمنها ومبرراتها وشروطها، ولكنها ما تزال ماثلة في زمننا لأن تيارات فكرية معاصرة تستحضر منها هذا الموقف أو ذاك. كل ما نريد أن ننبه إليه في هذا المقام أنه مهما يكن استحضار أولاءك الفلاسفة ضروريا، فإن ما يفصل شروطنا عن شروطهم ينبغي ألا يغيب عن تفكيرنا في الوقت الحاضر.
تحضر مقدمات الفلسفة في الوقت الذي نعي فيه الفروق التي تفصلنا عن أزمنة أخرى، دون أن نغفل مع ذلك ما يجعلها مستمرة في وجودنا الحاضر. إذ بقدر ما تكون المساهمة الفكرية في ميدان كالفلسفة ظاهرة في الاندراج ضمن تأمل المشاكل الإنسانية العامة، بقدر ما تكون أيضا بارزة في التعبير عن وضع ثقافي وإنساني خاص. تلتقي مشكلة الفلسفة عندنا اليوم بما هي عليه في العالم غير الأوربي وغير الغربي، إذ بينما يكون عليه أن يقبل مشاكل الغير باعتبارها إنسانية عامة، ولا يستطيع لعوائق حضارية وثقافية ولغوية أن يوصل مشاكله إلى الغير باعتبارها مشكلات من نفس المستوى. ولفظ الخصوصية يمكن أن ينظر إليه من هذه الزاوية من حيث هو دلالة على إرادة الخروج في عالم اليوم من المأزق التي يوضع فيه الفكر الإنساني عامة بين ما هو خاص وما هو عام.
هكذا نرى، أن أحد منافذ فكرنا الحالي إلى الفلسفة يمر عبر تجاوز المأزق الذي أشرنا إليه. والسؤال الإشكالي بهذا الصدد يمكن صياغته كالتالي: كيف يستطيع فكر ما، في الوضع الذي يوجد عليه الفكر في بلدنا وفي بلدان أخرى مماثلة له، أن يفكر في المباشر الذي يمثل في واقعه وأن يجعل هذا التفكير ذا قيمة إنسانية عامة؟
إن مهمتنا الآن التي نعتبرها مقدمة للنفاذ إلى عالم الفلسفة هي البحث في ماضينا وحاضرنا الفكريين عن اللحظات التي تحقق فيها هذا الانبثاق لفكر فلسفي انتمى إلى هذه الجهة من العالم، دون أن يفقد بفعل جهويته الجغرافية قيمته الإنسانية العامة. علينا أن ننتبه في حاضرنا وفي ماضينا إلى الأفكار التي نشأت في أرضنا، وكان لها منطلق خاص نتيجة لوضعها الجغرافي والحضاري والتاريخي، واستطاعت أن تخترق مع ذلك الحدود التي تفصلها عن السيرورة العامة للفكر الإنساني.
إن عودتنا إلى هذه اللحظات من تاريخ فكرنا ليست تأريخية فحسب، بل هي فلسفية أيضا. فمن خلالها نستطيع أن نعرف ما هي الشروط التي تمكن فيها فكر خاص بشروطه ومشكلاته أو يرقى دون تناقض إلى أن يكون في الوقت ذاته فكرا يخاطب بمضمونه الإنسانية بأكملها. وليس وضعا طبيعيا أن نكون خلفا لهذا الفكر الذي مضى، دون أن نتعلم منه درس المرور من الخاص إلى العام.
- 2 -
إذا فكرنا في الفلسفة في هذه البلاد التي تسمى بالمغرب (وهي جزء من العالم العربي والإسلامي)، فسنجد أن الأمر لا يتعلق فيها بنشأة. فقد انطلقت من هذه الأرض فلسفات ذات قيمة إنسانية عامة في عصور ازدهار الحضارة العربية الإسلامية. الحديث عن شروط النشأة انتهى مع زمنه في بداية الحضارة الإسلامية، وحيث لم تكن تلك النشأة ذاتها بداية أولى بل نشأة جديدة تتأسس على بداية سابقة متمثلة في الفلسفة اليونانية.
الوجود السابق للفلسفة في هذه الجهة من العالم يجعل سؤالنا اليوم متعلقا بالاستئناف. وهذا وضع له إشكالاته النوعية. فلفعل الاستئناف علاقة بالماضي والحاضر في الوقت ذاته، مع الاختلاف العميق لشروط الفكر فيهما. وهذه العلاقة المعقدة التي تحكمها شروط مختلفة من طرفيها تجعل فاتحة الفكر الفلسفي الجديد تأملا أوليا في اختلاف شروطه عما له علاقة به أو، كما يعبر عن ذلك الخطيبي، نقدا مزدوجا لهذه العلاقة ذات الطرفين(1).
لقد أخذ هذا الوضع من الفكر العربي عموما، ومنه الفكر الفلسفي المغربي، جزءا من المجهود الذي بذله المشتغلون بالفلسفة من أجل استئناف الفعالية في هذا الميدان. لقد ترافق هذا المهود مع محاولة تناول الفكر الفلسفي للقضايا الفلسفية في المستويات المختلفة لهذا التناول: التعريف بها، التأريخ لها، والتحليل المباشر لمعطياتها.
لم يمنع الوضع السابق، مع ذلك، انبثاق الفلسفة من جديد واستئنافها للحضور في الواقع الثقافي المغربي، وكان ذلك بفضل الفيلسوف الشخصاني محمد عزيز الحبابي الذي استطاع أن يحقق الاندراج ضمن تاريخ الفلسفة بالشروط التي ذكرناها سالفا: الانطلاق من وضع خاص هو وضع المغرب بانتمائه العربي والإسلامي والثالثي، وعدم إغفال الصلة بالتراث الفلسفي المطابق لهذا الانتماء، ثم السعي في انسجام مع ما سبق إلى طلب القيمة الإنسانية العامة للأفكار، أي طلب الاندماج ضمن التاريخ العام للفلسفة. لا ينكر الحبابي في جميع كتاباته وضعه الخاص بالنسبة لغيره من الفلاسفة الأوربيين وغيرهم، ولكنه لا يجعل هذا الوضع الخاص عائقا عن التواصل مع المذاهب الفلسفية المعاصرة وعن الدخول معها في حوار.
هكذا، إذن، نرى أن الفكر الفلسفي المعاصر فرصة لكي نستفيد من التراث الفلسفي الماضي الكيفية التي كان بها فكرا عربيا إسلاميا، أي منطلقا من وضع ثقافي وحضاري خاص، دون أن يمنعه ذلك من طلب القيمة الشمولية التي يطلبها كل فكر فلسفي. وقد استطاع الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون أن يحققوا هذا المطلب في عهود ازدهار الحضارة الإسلامية، وحاول ذلك محمد عزيز الحبابي في الزمن المعاصر.
ينبهنا كل الذي سبق ذكره إلى أننا لا يمكن أن نبني اليوم فلسفة تقوم على النسيان والافتعال المضادين لواقع التاريخ، ولسيرورة الفكر واتصاله. ونكرر هنا قولنا بأن البداية المطلقة للفكر الفلسفي أصبحت معطى تاريخيا غير قابل للتكرار، حتى إذا افترضنا بداية لا تكون بذاتها نتيجة ولا تكون لها إرهاصات أو سوابق. لم يعد هناك إمكان إلا لتفكير فلسفي مسبوق في الزمن بمذاهب فلسفية سابقة له. ومن جهة أخرى، وإذا ما فكرنا بأن كل من يتفلسفون لابد أن يتعاقبوا في الزمن مثل كل البشر، فإننا لا نرى نقصا في اعتراف اللاحق بالسابق، وفي تعامله الفكري معه. أما السير في الطريق المعاكس لهذا الأمر فهو نسيان مفتعل، وتوهم ذاتي لبداية تقوم على ذلك النسيان. والصفة الذاتية لهذا التوهم لا تجعله مطابقا لموضوعية التاريخ القائمة على التعاقب الزمني.
الفكر الذي سيضمن الاستمرار لحضور الفلسفة في ثقافتنا هو الفكر الذي تكون له ذكرى عن الزمن، فلا ينسيه حاضره ماضيه. وإذا كنا قد أرجعنا فضل استئناف الفلسفة في هذه الجهة من العالم إلى محمد عزيز الحبابي، فإننا نرى أن قضية الاستئناف هذه لم تلق من فكرنا الفلسفي الحاضر ما تستحقه من عناية. غير أننا لإبقاء هذا القول في حدوده نضيف إليه قولنا أن العناية المقصودة هنا ليست بالضرورة تبعية مذهبية. ذلك أن مواقف الرفض، والنقد، والتعديل، والتجريح، والتشكيك، والاستمرار والانقطاع الجزئيين، هي لدينا على نفس الدرجة من الأهمية في مقابل ذلك الموقف الآخر الذي دعوناه بالنسيان والبداية الجديدة المفتعلين.
الاستئناف الذي حققه الحبابي للفلسفة في مجتمعنا لم يجد له ما كان يمكن أن يكون له من صدى وأتباع، فلم يعط لذلك ثماره. وليست أسباب هذا الموقف ذاتية فحسب، بل هناك أسباب فكرية موضوعية أيضا حجبت عن المشتغلين بالفلسفة الاهتمام بما جاء به هذا الفيلسوف، رغم أن مؤلفاته في ميدان الفلسفة لم تضاهها بعد مؤلفات غيره فيها. والانتباه إلى تجاوز الشروط الذاتية والموضوعية التي منعت من التعامل مع فلسفة الحبابي بكل أشكال التعامل الممكنة، من شأنه أن يجعل التفلسف في مجتمعنا ينطلق من بدايته التاريخية الموضوعية، ويسير في اتجاهها أو في عكس هذا الاتجاه.
- 3 -
الطريق إلى الفلسفة شمل ميدانا آخر هو التعليم والتعلم. هذا شرط من شروط وجود الفلسفة وتطورها في المجتمع. وقد كانت الغالبية العظمى من الفلاسفة في كل البلاد التي ظهر فيها هذا النمط من التفكير معلمين للفلسفة. والفيلسوف كما أكد ذلك موريس ميرلوبونتي M. Merleau-ponty، هو دائما موظف يعلم الفلسفة في مؤسسة(2).
بقدر ما تبدو العلاقة بين الفلسفة والتعليم ضرورية، بقدر ما تكون غير بسيطة كما قد يوحي به ظاهرها. فإذا كنا قد أكدنا أن التعليم الفلسفي طريق إلى الفلسفة، سلكه أغلب الفلاسفة معلمين ومتعلمين، فإننا نريد أن نوضح أن هذا الطريق لا يؤدي دائما إلى حيث يراد منه الوصول. البداية قد تكون بالنسبة للجميع طريقا يبدو أنه يقود نحو الفلسفة، ولكن نقطة الوصول قد تجعل من تلقوا تكوينا فلسفيا مختلفين فيما بينهم بدرجات. قد لا تكون نقطة الوصول أكثر من اهتمام مدرسي بالفلسفة، وقد تكون انشغالا تأريخيا بالمذاهب التي عرفها هذا النمط من التفكير خلال تاريخه الطويل، وقد تكون انقطاعا عن هذا كله وانصرافا إلى اهتمامات أخرى، ولكن قليلا ما تكون نقطة الوصول هي الفلسفة ذاتها. علينا ألا نخلط بين هذه المستويات. إذ أن ضرورة التعليم للفلسفة لا تجعل منها مسألة تربوية.
رغم ضرورة التعليم الفلسفي، فإن هناك أحيانا مظاهر تباعد بينه وبين الفلسفة، وهذا بالنسبة للمعلم والمتعلم في الوقت ذاته. ذلك أن للتعليم مقتضيات ومطالب قد لا تلائم دائما الفكر الذي يريد أن يمارس الفلسفة. فالتفلسف اتجاه حر للفكر نحو قضايا مطروحة على المجتمع أو على العصر، وقد لا يكون الدرس الفلسفي فرصة ملائمة لهذه الممارسة، وإذا كان ميرلوبونتي قد أشار، كما أوضحنا ذلك، إلى أن الفيلسوف يكون دائما، أو في أغلب الأحوال على الأقل، موظفا يمارس عملا تربويا، فإنه أشار أيضا في نفس المقام إلى أن العمل التعليمي والحرية المتروكة فيه لمن يمارسه لا يقودان بالضرورة إلى الفلسفة، بل هما يؤديان في أغلب الأحوال إلى إدخال عمل المتفلسف ضمن عالم أكاديمي تنعدم فيه فرص التواصل الحي مع الحياة وتحجب عنا فيه فرص التفكير، وهو يقارن هنا بين الفيلسوف الموظف وبين ذلك الوضع المثالي لفيلسوف لم تكن له هذه الصفة وهو سقراط الذي كان الفلاسفة المعلمون والكتاب يعترفون له دائما بالزيادة، رغم أنه لم يمارس تعليما رسميا ولم يكتب مؤلفا، وكانت له مع ذلك صلة بحياة الناس في عهده وموقف من المشكلات التي كانوا يحيونها، كما كان له تأثير في تاريخ الفلسفة(3).
هناك إذن مفارقة في علاقة التعليم الفلسفي بنشأة الفلسفة وتطورها. فبينما يظهر هذا التعليم من جهة طريقا ضروريا للفلسفة بالنسبة لطرفيه، حيث يكون الفرصة التي يختبر فيها المعلم والمتعلم في الوقت ذاته الصلة بالأفكار الفلسفية، فإنه يظهر من جهة أخرى بوصفه المناسبة التي قد تقودنا إلى طرق أخرى لا تكون بالضرورة ممارسة للفلسفة.
إن تعليم تاريخ الفلسفة، مثلا، يبدو ضرورة لكل من أراد أن يقود غيره نحو عالم الفلسفة، ولكن هذا التعليم الذي يطلع الراغب في الاتصال بالفلسفة على تطور هذا النمط من التفكير وعلى المذاهب التي عرفها في تاريخه، لا يؤدي بالضرورة إلى الصلة التي تجعل فكر المتعلم يتجه نحو الفلسفة ذاتها، أي نحو تقليد الفلاسفة الذين نتعلمهم والاتجاه نحو التفكير المباشر والحر في القضايا المطروحة علينا(4).
يؤدي كل الذي سلف ذكره، في نظرنا، إلى ضرورة اعتبار الشرط التربوي للفلسفة من جهتيه اللتين بيناهما. فبقدر ما ينبغي من جهة أولى ألا نسير في طريق الاعتقاد بأن العمل التربوي يقود المعلم والمتعلم معا إلى الفلسفة بالضرورة، فإننا لا ينبغي من جهة ثانية أن نغفل التفكير في الجانب التربوي باعتباره شرطا من شروط حضور الفلسفة في كل وضع ثقافي. ولذلك وجب عند التساؤل ضمن شرط الفلسفة عن واقع تعليمها، وعن مدى مساهمة هذا الواقع في إمكانية الانتقال إلى التفكير الفلسفي ذاته. ماذا نعلم ونتعلم من الفلسفة؟ من هم الفلاسفة الحاضرون والغائبون في تعليمنا؟ ما هي القضايا الفلسفية الحاضرة والأخرى الغائبة لدينا؟ كيف نفسر حضور أو غياب بعض الفلاسفة والقضايا دون سواها؟ هل هناك داخل تعليمنا الفلسفي متابعة لكل ما يجد في هذا الميدان، وفي كل فروع الفلسفة؟
نعتبر، من جهتنا، أنه كلما وقع النقاش حول هذه الأسئلة، فإن ذلك يعتبر تفكيرا في شروط حضور الفلسفة داخل ثقافتنا، لأن كل تعديل أو تغيير في برامج تعليمنا يمكن أن يكون له أثر إيجابي أو سلبي على من يتلقون هذا التعليم، وعلى من يستندون إلى هذا التعليم لإثارة قضايا فلسفية. هناك فرق بين عدم كفاية الشروط التربوية وبين إغفاله وعدم الاهتمام به في حدود كفايته.
- 4 -
إذا رأينا أن الشرط التربوي غير كاف لحضور الفلسفة في ثقافتنا ألزمنا ذلك بالاهتمام بشروط أخرى. ودون أن ندعي الإحاطة بكل الشروط في هذا المقام، فإننا نود الاكتفاء بالإشارة إلى شرطين منها: الفلسفة بوصفها فكرا يغامر بالمضي إلى الأمام في تفكيره، ثم الفلسفة بوصفها انتقالا إلى التفكير بضمير المتكلم بدل التفكير بضمير الغائب.
نرى بصدد الفكرة الأولى أن السير في طريق الفلسفة يكون بفضل فكر يستمر في تفكيره دون تراجع أو تهيب من النتائج التي يمكن أن يصل إليها. وفي نظرنا، فإن كل الفلاسفة الذين قدموا لحضاراتهم وللإنسانية عامة مذاهب فلسفية كان لها تأثير في تاريخ الفلسفة مارسوا هذا النوع من التفكير. وما نقصده بالمضي في التفكير هو عدم التوقف عند ظهور بعض الإشكالات الجديدة. إذ لو توقف كل فكر عندما تواجهه إشكالات لم يكن يتوقعها لما استطاع الفلاسفة الذين نعرفهم أن يؤسسوا المذاهب التي ندرسها ونؤرخ لها. الفكر الذي ينتج الفلسفة من هذه الناحية فكر إشكالي، بمعنى أنه ليس الفكر الذي يسعى إلى إيجاد حلول لمشكلات فحسب، بل هو أيضا الفكر الذي بمضيه في التفكير يوجد لذاته مشكلات جديدة، فهو إذن فكر ينفتح على المشاكل بقدر ما هو فكر يعمل على حلها. وهذا ما نلاحظه على تفكير الفلاسفة الذين ندرسهم، إذ نرى أن بناءهم لأنساقهم جاء نتيجة لدراسة كل المشاكل التي وضعتها أمامهم نظرياتهم.
نعني بالمغامرة الفكرية أيضا التصدي للمشكلات والذهاب في طريق البحث فيها حتى وإن كان ذلك معارضا لما هو سائد من نظريات أو أفكار أو تقاليد مجتمعية. ولو أن كثيرا من الفلاسفة الذين نعرفهم وقفوا عند حدود ما هو جاهز وما هو سائد لما قامت المذاهب الفلسفية التي ندرسها ونؤرخ لها. لم يكن الفلاسفة الذين يعرفهم يسايرون فكرا، ولكنهم كانوا يساهمون بقوة في إنتاج أفكار جديدة(5).
الشرط الثاني الذي ذكرناه هو التفكير بصيغة المتكلم لا بضمير الغائب. ويمكننا أن نرجع إلى تاريخ الفلسفة لنلاحظ أنه كلما كان هناك فيلسوف مجدد إلا وكان تفكيره ينقل العصر وينقل التفكير من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم. هل نذكر في تراثنا بصفة خاصة الكندي والفارابي وابن رشد. وفي حالة هذا الفيلسوف الأخير خاصة، وقد اشتهر بشروحه على نصوص أرسطو، فإن الحديث بضمير المتكلم منبثقا لديه من الحديث بضمير الغائب. إذ أن شروح ابن رشد لنصوص أرسطو لم تجعله غائبا ولم تمنعه من أن يكون له تأثير في تاريخ الفلسفة اللاحق له.
من التراث الفلسفي الغربي يمكن أن نذكر نماذج مثل ديكارت وكنط وهيغل وماركس وفرويد وهايدغر وغيرهم. فالكلام الفلسفي عند هؤلاء جميعا كان بضمير المتكلم، ولم يكن الآخرون يحضرون لديهم إلا كنقط استناد لفكر يسعى أن تكون علاقته بالمشاكل مباشرة وحية. فإلى هذه الصيغة في الكلام بضمير المتكلم يرجع الفضل إلى المذاهب الفلسفية التي نقرأها اليوم لأولائك الفلاسفة.
ليس معنى ذلك أننا ننفي كل قيمة للحديث عن الآخر، أو لعرض أفكار الغير في صورة نسقية أو تاريخية. فعلى مثل هذا العرض تقوم الدراسات التأريخية الدقيقة التي كان لها الفضل في فهمنا للمذاهب الفلسفية. ولكننا نقول إن مثل هذه الدراسة تمهيد للقول في الفلسفة ذاتها، دون أن تكون بذاتها هي هذا القول.
التفكير بضمير الغائب يمثل تبعية الذات المفكرة لمرجعيتها، وهذا عائق للإنتاج الفلسفي بمعناه الحق. فالذات التي تفكر بضمير الغائب يحتويها مرجعها، فلا يترك لها منفذ للخروج منه، وهي التي يبهرها النص، فلا تبحث عن حقيقتها خارجه. أما التفكير بضمير المتكلم فهو موقع آخر تضفي فيه الذات النسبية على مرجعيتها فتقلب بذلك العلاقة به بتدمجه ضمن سؤالها وهدفها. الذات التي تفكر بضمير المتكلم، وتحقق في نظرنا شرطا من شروط حضور الفلسفة، لا تبحث عن حقيقة ما عبر التنقيب في جمل الغير، بل إنها تشكل بذاتها جملها وقضاياها.
كل ما نريد أن ننبه إليه أن هذه الذات التي تفكر بضمير المتكلم ليست مجرد انبثاق مفاجئ، بل هي نتيجة لشروط متعددة، وهي من أجل حضورها في مجال الفلسفة مشروطة بحضور مستوى معين من الجهد الفكري في ميادين أخرى مختلفة(6).
هكذا يتبين لنا أن حضور الفلسفة في ثقافتنا متوقف على عدة شروط، ذكرنا بعضها في هذه المحاولة راجين أن نكون قد ساهمنا في التفكير في هذا الموضوع.
1- راجع كتاب عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج، وبخاصة الفصل حول السوسيولوجيا في العالم العربي، دار العودة، بيروت.
2- راجع كتاب ميرلوبونتي:
Merlean pouty : Eloge de la philosophie, éd : gollimard, collection essais, 1933 et 1960, p. 39 et suite.
3- نفس المرجع السابق ونفس المعطيات.
4- راجع مقالنا: التكوين الفلسفي وتاريخ الفلسفة، جريدة الشرق الأوسط، 7/9/1994.
5- راجع كذلك مقالنا: الفلسفة بين الارتباط بتاريخها والتحرر منه، مجلة دراسات عربية، بيروت، العدد 11-12 شتنبر-أكتوبر 1994.
6- راجع مقالنا: مغامرة التفكير، جريدة “العلم”، 10/10/1993.
7- راجع مقالنا: من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم، جريدة “العلم”، 17/10/1993.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   الخميس أكتوبر 29, 2015 6:49 pm

أول ملاحظة لما نشرناه أعلاه، هو بروز الفرق بين التنظير الفلسفي والوعظ البيداغوجي، وبين الإنجاز الفعلي لدرس فلسفي في الفصل.وكأننا أمام العلاقة المُلتبسة بين المثال ونُسخته، بحيث يبدو أن ذاك التنظير يتعالى على إمكانية تجسيده عمليا لحظة بناء درس فلسفي باستغراقه في تنظير لا يخلو من نزعة قدحية تلبس عباءة فلسفية، وتوهم نفسها أنها تُمارس النقد في حين أنها تُصادر على المطلوب. ويظهر لي من خلال المقالات أعلاه،أن المشكل يكمن  أيضا في الاستعلاء البيداغوجي على الفلسفي وبأدوات فلسفية وليس بأدوات بيداغوجية، وهذا ما جعل العديد من المتخرجين من المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين ، وقبلها الجامعة، يعترفون بأهمية التنظير البيداغوجي والديداكتيكي ، لكنهم يجدون صعوبة في التطبيق لما يوضعون لوحدهم في الفصل الدراسي. إذن أين الخلل ؟أعتقد حان الوقت لتعاقد بين مدرسي الجامعة والمراكز الجهوية والمراقبين التربويين وثلة من المدرسين بالثانوي التأهيلي لإيجاد قاسم مشترك يرسم استراتيجية ولادة وتجدد تدريس الفلسفة، بدلا من كل واحد يغني لليلاه، وكل طرف " يُخوّن" الطرف الآخر ويُخمّله مسؤولية تعثر الدرس الفلسفي.متى نرتقي إلى تحقيق رهان تجويد الدرس الفلسفي، وليس التحجّر في المعاقل سواء كانت بيداغوجية أو فلسفية؟
لماذا لا تُقام أيام دراسية يلتقي فيها كل القيّمين الموكول لهم الاهتمام بتدريس الفلسفة للتداول في المرجعيات الفلسفية والبيداغوجية الرامية إلى توفير كل الظروف الممكنة لإنجاح الدرس الفلسفي بالثانوي التأهيلي والجامعة ؟

وللموضوع بقية


عدل سابقا من قبل كمال صدقي في الخميس أكتوبر 29, 2015 9:03 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   السبت أكتوبر 31, 2015 9:02 am

الّلي قال العصيدة باردة،إيدير يده فيها. نافذة على حدائقنا الخلفية
لحظة دخول مدرس الفلسفة الفصل، يواجه بناء الدرس الفلسفي مع تلامذته وحيدا، بعيدا عن وعاظ البيداغوجيا لوزارة التربية الوطنية الحاضرون كحواري المسيح في كتاب التوجيهات التربوية،مُتيقظا كي لا يُتهم ب" التجدبف"والكفر بالتوجيهات والوصايا التربوية ،وفقهاء الفلسفة ومعلمي الديداكتيك سواء من مصادرها أو من أتباعها المحليين الذين أغرفوا الساحة بما طاب ولذّ من ترجمات بلجيكية وفرنسية وكندية حد التخمة، وأخرون وهم كثر سبق للمدرس أن قرأ لهم في مختلف المنابر. لكنه يستحضرهم كلهم ذهنيا، وأكيد أنه عانى الأمرين لحظة التحضير الكلي للمجزوءة في منزله، واضعا بعين الاعتبار : ماذا سيقول لتلامذته وكيف ؟وهل سيتوفق في تحقيق الثنائي المطلوب من العملية التعليمية: العقلانية والفعالية.وتتعالق في ذهنه المفارقة بين نمطي التدريس: نموذج التربية المبني على المضامين ونموذج التربية والتكوين المبني على الكفايات. وكأن الصراع بين النموذج الهيجلي والنموذج الكانطي، لا يُستحضر إلا من خلال مقارنة تفاضلية، تزعم أن كانط انتصر بيداغوجيا على الهرم الكبير هيجل.مع أنه لا أحد تمكّن من ترجمة تحقق فعل التفلسف واقعيا، بالرغم من انتصار الفكرة نظريا وتنظيريا.

من أجل ديداكتيكا بديلة ( التحضير الذهني لمدرس مادة الفلسفة.يمكن الرجوع إلى التوجيهات التربوية ص 12))

نمودج تطبيقي لمجزوءة الإنسان.
( مشروع بناء درس فلسفي بعد تمثل مُختلف الأطر المرجعية، الفلسفية والبيداغوجية وُمستتبعاتها الديداكتيكية)
1- من المطلوب أن يعي المتعلم الرهان من حضور قضية الإنسان في درس الفلسفة .
2- لا يبرز الرهان إلا من خلال تحويل المعطى " الإنسان " إلى إشكال من خلال صيغة استفهامية تنزع عن المفهوم بداهته الشائعة.
3- قد يكون السؤال الإشكالي من خلال الصيغة الاستفهامية " ما الإنسان ؟ غير كاف بسبب عموميته، دليلنا في ذلك كون الإشكال ينطلق من مفارقة تجعل طرح المشكلة مبررا. ما معنى أن الإنسان  يشكل نموذج حضارة ومنتجا للعقلانية والعلوم والتقنية؟ وهل هذه العقلانية هي السمة الوحيد المميزة للإنسان أم له مداخل أخرى لاعقلانية ( الوهم العنف،التخلف.....؟
4- إذن أين سنبحث عن مكمن الإشكال الثاوي في قضية المجزوءة "الإنسان" ؟
5- في طبيعة العلاقة بين قضية المجزوءة ومفاهيمها الأربعة : الوعي والرغبة واللغة والبعد الاجتماعي.
6- لماذا تحضر هذه المفاهيم وليس غيرها ضمن قضية المجزوءة ؟ إذن هل تحمل هذه المفاهيم جوابا على سؤال مُضمر، يكشف عن حقيقة الانتقال من قضية الإنسان إلى المفاهيم الأربعة ( ولماذا بالنسبة لشعبة العلوم تم حذف مفهوم اللغة ؟ ونفس الأمر بالنسبة لمجزوءة الوضع البشري تم حذف مفهوم التاريخ؟ هل لهذا تأثير على تحديد مفهوم الإنسان لدى كل مسلك!!!؟)
7- هل يتعلق الأمر بالبحث عن شروط ومحددات الوجود الإنساني من خلال السؤال العام : ما الإنسان ؟ وهل بالفعل هذه ، التي يطرحها المقرر الدراسي، تعكس انشغالات المفكرين ( فلاسفة وعلماء الإنسان) عبر تاريخ الفلسفة ؟ أم هي مًكوّنات من ضمن أخرى، بحجة  حذف بعضها  لدى بعض المسالك، وهل لهذا الاختيار تأثير على المُفكّر فيه كإشكال يُثير النقاش الخلافي إلى حدّ الصدام وتبادل التّهم بين المفكرين كما سنرى لاحقا ؟ وما هي مبررات اختيار ما يُعتقد أنه من محددات الوجود الإنساني أو ما به يكون الإنسان إنسانا ؟ وهل انتفاء ه هذه المحدات أو إحداها تنزع عن الإنسان إنسانيته بانتفاء شرط وجوده؟ وكيف نربط هذا الإشكال  بإشكال الطبيعة والثقافة ( الجذع المشترك) وما القضايا التي يمكن الاحتفاظ بها لتبرير الامتقال من قضية الطبيعة والثقافة إلى قضية الإنسان، ولاحقا سيجد المدرس نفسه أيضا في وضعية تبرير الانتقال بل وتوظيف ما تم التفكير فيه في قضيتي الطبيعة والثقافة والإنسان مع قضية الوضع البشري، هل بالفعل نحن أمام تمرحل متكامل برهان تجميع ما به يكون الإنسان إنسانا ، من خلال تعدد مجالات انوجاده،ومن ثمة وعي المتعلم كونه متورط في الكشف عن وجوده هو، ومُطالب ب" تحيين " انوجاده كي يُحقق ارتقاء معرفيا وسلوكيا يؤهله لبناء مواطنة من خلالها يتحقق الشرط الإنساني في الواقع، أم لا يعدو أن يكون الأمر تمرينا فكريا يتخذ من النصوص الفلسفية، إتقان لعبة التفسير وتقنيات الإنشاء الفلسفي، وإن كانت هذه من المستلزمات الضمنية لعملية تعلم التفلسف، لكن بعزلها عن رهان الدرس الفلسفي أو عن روح الفلسفة، قد تتحول مادة الفلسفة إلى لعبة فكرية يراهن فيها المُتعلم على نقطة جزائية كما يراهن " القمّارون " على ما يعتقدونه  المُفضي إلى " الربحة " ( هنا نفهم العبارة :إما ربحة أو ذبحة ) وكذلك المتعلم يراهن ، لحظة الامتحان على " النجاح " أو " السقوط"، ولكل منهما أسبابه، وتجار الفلسفة يعرفون من أين تؤكل الكتف، وأستغرب للمصحيحين كيف يقون في الفخ.
8- بالمحصلة، عللا المتعلم أن يكون واعيا بطبيعة العلاقة ومختلف الرهانات بين قضية المجزوءة ومفاهيمها، وعلى المدرس أن يفتح هذا الباب مع التلاميذ لحظة تأطير المجزوءة، وهذا نوع من التعاقد البياغوجي والفلسفي، الذي من شأنه أن يعي المتعلم تفاصيل مختلف تمرحلات الدرس الفلسفي، كبديل عن المقاربة التجزئية والتي تشاغل على النصوص تباعا وبنفي الطريقة النمطية المركزة على العناوين الطوزية " الأشكلة والمفهمة والحجاج" وليس على روح هذه الأدوات البيداغوجية التي استعارت ذاتها من التجربة الفلسفية.
9- تأتي مرحلة تبرير شرعية وجود قضايا المحاور ضمن المفهوم، ثم تبرير الانتقال من محور إلى آخر، بالعلاقة دائما مع الإشكال العام لقضية المجزوءة حتى لا يقع المتعلم في التيه الفلسفي ويفقد بوصلة الخيط الناظم بين مختلف مكونات بناء الدرس الفلسفي.
10- كمثال " المحور الأول" ضمن "مفهوم الوعي". من المطلوب تحديد مفهوم الوعي بالعلاقة مع ما سيأتي من قضايا وإشكالات سيطرحها المفكرون  ( الفلاسفة وعلماء الإنسان) وحتى لا تتم المصادرة على أي موقف، أو الوقوع في تناقضات قد " تُبلبل " تفكير التلميذ.
11- إذن كيف يفهم المدرس  الرهان من حضور علاقة الوعي بالجسد ( الحواس)، ثم  ما رهان حضور علاقة الوعي باللاوعي، وأخيرا رهان حضور علاقة الوعي بالإيديولوجيا من خلال قضية الوهم.؟
12- إذن يتواجه الوعي مع الحواس واللاوعي والوهم.السؤال المطروح ، كيف  يفهم المُتعلم هذه العلائق؟ وما هي النصوص الوظيفية الملائمة القادرة على مساعدة المُتعلم في إدراك، أولا، مختلف الإشكالات المطروحة، وثانيا مواقف المفكرين على مستوى طبيعة الأسئلة التي يطرحونها، والمفاهيم التي يُبدعونها، والأطروحات التي يدافعون عنها من خلال مختلف أنماط الحجاج كل من ميدانه الفلسفي أو العلمي.
13- في هذه السياقات، يتم تحليل النصوص ،أولا من خلال رهانات المجزوءة ووفق مرجعية منهاج مادة الفلسفة وباقي الأطر المرجعية المكملة والمتممة، ثم وفق معطيات تاريخ الفلسفة، ووفق اجتهاد المدرس في اختيار نصوص وظيفية تحترم جل الرهانات أعلاه. وطبعا من حق كل مدرس اختيار الطريقة المناسبة لتحليل النصوص، مع تنويعها طبعا، وسنتحدث عن هذه القضية لاحقا،
14- الغرض من هذا التحضير الذهني القبلي للمدرس ،هو التخلص من الاختزال والارتجالية، واليقظة في أفق تدبير المفاجآت وترشيد سيرورة بناء الدرس الفلسفي....كل ذلك في أفق عقلنة وتنظيم العملية التعليمية، وبهذه الإجراءات قد يكون المدرس واعيا بكل مفاصل بناء الدرس، وواعيا باقتراحات ومشاركات التلاميذ مع مدرسهم في بناء الدرس. وبالتالي لا يُمكن أن تتحقق مشاركة التلاميذ من دون أن يكون المدرس نفسه واعيا مدركا متمكّنا من مختلف خيوط بناء الدرس الفلسفي. فكم من مدرس يتم إحراجه من فبل التلاميذ إن كان غافلا عن التحضير الذهني لكل المقرر الدراسي الفلسفي بدءا من الجذوع المشتركة مرورا بالأولى بكالوريا وحط الرحال في الثانية بكالوريا.
15- بالنسبة لي أشتغلتُ على النصوص التالية:

للموضوع بقية


عدل سابقا من قبل كمال صدقي في السبت أكتوبر 31, 2015 2:06 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   الإثنين أغسطس 29, 2016 9:46 pm

مقال للأستاذ والمرافب التربوي رشيد العلوي.


الفلسفة كمادة للبحث والتدريس

*العلوي رشيد
بأي معنى يمكن للفلسفة أن تكون مادة للتدريس والبحث؟ من اللافت أن الفلسفة تجد امتداداتها لدى الأدباء والفنانين والعلماء والمفكرين، وحتى الساسة، الذين يستحسنونها، في حين أن أهلها يبدون القلق عليها. فكل إصلاح لها، يثير حنق أهلها وقلقهم، ويؤدي إلى الرفض جراء تخوفاتهم من مآلها ومستقبلها، لكنهم يقبلون الأمر في النهاية. كيف نفسر ذلك؟
وهكذا، وجد تدريس الفلسفة نفسه، عرضة هذا الفصل الفظ والمشؤوم المفروض تدريجيًا في التعليم الثانوي والعالي بين الآداب والعلوم، وضحية له، حتى صارت الفلسفة متعبة جراء اعتبارها تخصصًا أدبيًا: تقليد النموذج الفلسفي. غير أن هذا الفصل يعود في الحقيقة، إلى عصر كانط، الذي خاض صراعًا مريرًا عبر عنه في كتابه «صراع الكليات»، حين صرخ أمام تهميش كلية الفلسفة مقابل الإعلاء من شأن كليات الحقوق والطب، لأنها تخدم الآيديولوجيا السائدة، وتتقن عملية إعادة الإنتاج. فهل نستطيع أن نتجاوز تقليد إرث التدريس بالنصوص؟ إن هذا العمل التكراري في الحقيقة، بقدر ما هو مفيد فهو أيضًا مضر بالفلسفة.
أين نحن اليوم؟ إننا لا نزال عند حدود الحفاظ على التراث الفلسفي وعلى الأدوات الأكثر عراقة: التوليد والتساؤل والترداد الممل. لكن الحقيقة هي أن إرثنا التاريخي للخطاب الحجاجي، لا يزال ضعيفًا جدًا، وعلينا أن نتجه صوب إعادة الربط بين الفلسفة وباقي المجالات العلمية والقانونية: الاتجاه صوب التفكير العلمي، والقانوني، والسياسي، والتقني، والأخلاقي، والإنثربولوجي، والمنطق. إذا اعتبرنا أن الفلسفة هي فن طرح السؤال في كل مجالات المعرفة، أي هي نمط من الحجاج يسمح للبشر بأن يفكر في ما يؤرقه، موجهًا بمنظور كوني وغايات إنسانية.
تجديد الخطاب الفلسفي
يستند الإقرار بالحاجة إلى تجديد الخطاب الفلسفي المدرسي، على الواقع المزري الذي آل إليه وضع تدريس الفلسفة، وهو ما يمكن إجماله فيما يلي:
– غياب المناقشة داخل الفصول الدراسية، بحيث تحول الدرس الفلسفي إلى مجرد تدريس للنصوص بشكل ميكانيكي لا يسمح للمتعلم بالخوض في النقاش الحر.
– طغيان المقاربة الديداكتيكية، والتسليم بمجموع الوصفات الجاهزة وكأنها قدر لا مجال للشك في نجاعتها.
– إكراهات لا تتعلق لا بالمدرس ولا بالمتعلم، وإنما بالمنظومة التعليمية ككل: إيقاعات الزمن المدرسي، توزيع الحصص، عقم بعض المذكرات المنظمة للشأن الداخلي، وعدم مراعاتها للبعد التربوي في سير العملية التعليمية.
– ضعف التكوين الذاتي لدى المتعلمين، وغياب تحفيزهم على القراءة والمناقشة والتحليل.
تضاف إلى هذه العوامل، تمظهرات جمّة لا تخفى على الممارسين في واقعهم اليومي. لكن رغم كل ذلك، فإننا مفعمون بالأمل (كل الأمل) في تجاوز هذه الوضعية.
وقبل أن نتلمس بعض الخيوط التي يمكن أن تنير الدرب نتساءل: ماذا نقصد بالخطاب الفلسفي؟
يتضمن الخطاب الفلسفي (كأي خطاب: أدبي، علمي، سياسي، فني إلخ)، رسائل موجهة لجمهور محدد في سياق خاص لغايات معينة، يسعى إلى الإجابة عن جملة إشكالات معلنة أو غير معلنة، أو على الأقل، إعادة طرحها من جديد، بغية تحفيز التساؤلات وفتح المناقشة في صفوف المعنيين. ويرتكز إلى حجج وبراهين تسير في اتجاه بيان المفارقات القائمة وراء الإشكالات المطروحة، لصياغة أطروحة متماسكة بهذا القدر أو ذاك، بغرض عرضها أمام جمهور معين. غير أن نظام الحجج يفترض نزع الطابع الوثوقي عن الخطاب الفلسفي، لجعله خطابًا محفزًا للنقاش وتبادل الرأي.
ينتج المدرس بشكل مستمر ويومي، خطابًا فلسفيًا موجهًا للمتعلمين. وقد يكون خطابًا خاصًا به كفرد يدلي بدلوه حول القضايا التي يعالجها. وقد يكون خطابًا مستوحى من متون فلسفيّة، حسب زاده المعرفي وتكوينه النظري الذي تسلح به في مراحل معينة من حياته. إلا أنه في كلتا الحالتين يتخذ لبوسات عدة: أخلاقية، آيديولوجية، سياسية، دينية، ثقافية وغيرها.
لا ينفصل الخطاب المنتج داخل الفصل، عن مجموع الشروط السياقية التي تحيط به، والتي عادة ما ترتبط باليومي، وبما يدور في المجتمع من قضايا وإشكالات متداولة في الإعلام العمومي، ويعجز النقاش العمومي الرسمي عن مقاربتها بشكل موضوعي. غير أن هذا الخطاب، لا يتحاشى الدخول في المناقشة الحرة، لأن الهوة ساحقة جدًا بين المتعلمين والمدرس. ولا يراعي هذه الخصوصيّة إلا عند المربي الذي يتقن فن إدارة الخطاب. وهنا نثير الانتباه إلى هذا التمايز الصارخ بين المدرسين: لماذا يجد بعضهم الطريق نحو مقاربة الإشكالات والقضايا الراهنة، من دون أن يفرض بعض الوصاية على مريديه، في الوقت الذي يمارس البعض الآخر الوصاية الكلية على المتعلمين؟ هل نستطيع أن نترك الخطاب الوثوقي بعيدًا لصالح خطاب حجاجي، يحترم الآراء ويعطي للمتعلم حقه في صوغ رأيه بكل حرية؟ كيف السبيل نحو خطاب فلسفي حجاجي يرتكز إلى الممارسة ومتحرر من سلطة النصوص؟
رهانات الدرس الفلسفي
ماذا عسى مدرس الفلسفة أن يفعل بعد أن يفرغ من وظيفته التربوية والتعليمية؟
يبدو أنه آن الأوان للتمييز بين الأستاذ العمومي والمفكر الحر، بغرض حصول انتقال واعٍ من الدور الوظيفي إلى الدور الطبيعي. نعم أقول الدور الطبيعي، لأن من ينخرط في حركية ودينامية الفكر الفلسفي، تنتظره مهام جمة لدعم التفكير الحر، ولحفز الناس على التساؤل والنقد والهدم وبناء الخطاب الحجاجي.
يقوم الأستاذ العمومي بمهام وظيفية منهكة، لا تتجاوز سقف إعادة إنتاج المتداول في تاريخ الفلسفة، كعملية لا تكتمل، أغلب الظن، بل تشوبها اختلالات فظيعة، وتضمن له تلك الوظيفة أجرة لتجديد قوة عمله الذهنية (في عصر بلترة – من بروليتاريا – العمل الذهني)، في حين يتجه المفكر الحر نحو الانفلات من تقلبات اليومي وانشغالات الوظيفي، ليكتسح قارات حساسة منتقاة من المعيش ومن معاناة البشر، في عالم توتاليتاري مسكون بأصنام غير واعية: الاستهلاك، الاستغلال، اللهو، الوهم، التسليع وغيرها:
التسليع: هو أكبر الأصنام التي عززتها الرأسمالية وشرعت له الليبرالية، وهو يخترق وجدان الإنسان المعاصر بشكل جنوني ولا نستطيع الانفلات منه.
الاستهلاك: هو صنم ثنائية الطلب والعرض، ويقود إلى إيهام الناس بأن الرفاهية تكمن في القدرة على الاستهلاك المفرط والجنوني، من دون الانتباه إلى الخطر الذي يحدق بمصير الكوكب. ويؤدي العماء السلعي، جراء الوفرة الملحوظة في الأسواق، إلى استلاب حقيقي لمعنى الحياة ولفن العيش.
الوهم: لا أحد منا يمكنه التخلص من أوهام العصر، التي هي أوهام الذات حول نفسها وحول العالم. وهي أوهام شتى تحيط بالبشر من كل حدب وصوب، وصارت أقنعة لا بد منها لتحقيق التوازن النفسي والعاطفي والمادي والسياسي أيضًا. تأتي الأوهام من التنشئة الاجتماعية، ومن القلق المفزع الملازم للحياة المعاصرة.
اللهو: يزداد اليقين بأن اللهو هو الطريق الملكي نحو السعادة، في الوقت الذي لا يعدو أن يكون غير لعبة لتجديد قوة العمل يدويًا كان أو ذهنيًا. فلماذا نلهو وفي أي سياق؟ لا نلهو لأننا لهاة بالطبيعة. وإنما لأننا مرهقون من فرط الاستغلال، ولأننا مبعدون كليًا عن شروط حياتية طبيعية. نسكن الأقفاص حيث تحيط بنا الجدران من كل صوب، ونخرج إلى الجدران التي تصد في وجهنا أي أفق بصري.
إن الاستكانة لأصنام العصر، توصد الأبواب أمام التفكير الحر، وتجعل الأستاذ العمومي في ترداد واجترار لعبارات وأقوال، عادة، ما تصطدم بآراء المتعلمين.
نحو فلسفة أخرى:
ليست الفلسفة مجرد مفاهيم، ولا هي مجرد لغة تسبح في سماء المعقولات. بل هي فكر حي ينمو ويتطور بيننا، إنها إحساس وشعور ووجدان.
ليست الفلسفة مجرد ميدان معرفي وفكري قائم الذات، له أهله. بل توجد في الفنون والأدب والعلم أيضًا، وفي رؤى العالم وفي الدين. وتوجد كذلك، بين الناس في يومهم المقيت والمثقل بفيض من التمردات والمقاومات الجياشة. والفلسفة ليست مجرد مهنة لتجديد قوة العمل الذهني، بل هي ممارسة يومية تكرس النقد، وتسعى إلى بناء نظام حجاجي عقلاني. ليست الفلسفة مجرد تراث محفوظ في الكتب، بل هي أيضًا تراث شفوي يدعم المكتوب والمتداول. وهي ليست (الفلسفة) رهينة الأقسام والمدرجات، بل هي فكر ترحالي يجوب الشوارع والمقاهي والبلدات.
من المؤكد جدًا، أن هذا لا يعني السعي نحو الابتذال، بل للوقوف ضد من يختزل الفلسفة في التفكير المجرد والميتافيزيقي، ويشحن المتعلمين بالمثاليات، في سبيل فلسفة فعل تتجذر في تربتها وواقعها، وتواكب، وتفعل في الممارسة العملية للناس المهمشين والمضطهدين والمقصيين من دائرة الإنتاج. فلسفة تنبني على الإحساس والانفعال والشعور. فلسفة تستشعر عمق الذات الإنسانية كما نحياها. فأي نفع وفائدة وأية غايات للفلسفة غير هذا؟.
______
*الشرق الأوسط
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
كمال صدقي
مدير المنتدى
avatar

ذكر
عدد الرسائل : 2338
العمر : 61
البلد : أفورار
العمل : متقاعد مُهتم بالدرس الفلسفي
تاريخ التسجيل : 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي   السبت سبتمبر 10, 2016 11:10 am

الحاجة إلى تأسيس مرصد وطني لتنمية تدريس الفلسفة بالمغرب.



كيف نفسّر الهوّة بين التنظير والواقع؟ لماذا لا تتحقق رهانات الدرس الفلسفي المدرسي؟ ما أسباب "تحقير" تدريس  مادة الفلسفة والدعوة إلى التفلسف خارج أسوار المدرسة؟ وحتى في حالة أهمية التنظير الفلسفي المراهن على تنزيل الفلسفة في الواقع اليومي، كيف السبيل إلى تحقيق رهاناته؟ مَنْ يقرأ هاته الدراسات التأملية الداعية إلى " نهضة فلسفية" تقطع مع البيداغوجي والديداكتيكي والانفتاح على الفلسفة كما تتجلى في فضاءات أخرى غير المدرسة (مختلف أمكنة الفضاء العمومي)؟كم عدد دُعاة التنظير الفلسفي مقارنة مع آلاف مدرسي مادة الفلسفة والذين يُناضلون لوحدهم في معترك التدريس، بل ويُقرّعون من بعض ذوي القربى  المهتمين بالبحث الفلسفي لا بتدريس الفلسفة. وهل آن الأوان لتأسيس مرصد وطني لتنمية تدريس الفلسفة بالمغرب، في أفق تعاقد جديد يؤسس لتدريس يُلبي كل انتظارات المشتغلين بالحقل الفلسفي؟

أُتسائل ،أولا،هل يجوز الحديث عن حضور فلسفي من دون تدريس الفلسفة ، وهل يجوز تدريس الفلسفة من دون استحضار الأطر المرجعية الشّريطة والناظمة لنمط حضور الفلسفة كمادة تدريسية ؟ ومنها الكتاب الأبيض ومختلف موجات المناهج الفلسفية ...وخاصة منهاج الفلسفة لسنوات 1991 و 1996 وآخرها كتاب التوجيهات التربوية 2007.وثانيا ألا يُستحسن التمييز من حيث المرجعيات والمُقتضيات والرهانات بين البحث الفلسفي التأملي/النقدي وتدريس الفلسفة في المؤسسات التعليمية ؟ هذا يستوجب التنبيه إلى أن الأطر  المرجعية في عمومها ذات طابع تشريعي عام وليست إجراءات تقنية جاهزة.من هذا المنطلق سيتم التركيز على ما جاء في الأطر المرجعية من ناحية تحقيق المُكتسب المعرفي والمنهجي إضافة إلى الوظيفة الاجتماعية لمادة الفلسفة في علاقتها بشخص المتعلم وبحياته اليومية ، على اعتبارأن الفلسفة حق من حقوق المتعلم في فهم ومعرفة ذاته وطبيعة علاقته بالأخرين والعالم.والرهان هو تخليص الدرس الفلسفي من هيمنة التقني وحتى المعرفي الجاهز والمتكرر والذي من شأنه أن يفصل بين الفكر والواقع.

عادة ما يتم التنظير لمُقتضيات الدرس الفلسفي من خلال مُقاربات تأملية والحال يقتضي مقاربة بيداغوجية تفصل بين الفلسفي التأملي والفلسفي المدرسي الذي يستحضر الفكر الفلسفي ضمن سياقات مؤسساتية تستحضر الفلسفة لكن ضمن توظيف ينقل الفكر الفلسفي من مجال التأمل إلى مجال التوظيف والأجرأة، وبالتالي التخلص من " التطرفين ": تبخيس البيداغوجيا لصالح حرية في التفلسف تتخلص من إكراهات المؤسسة!!! وتحويل الفلسفة إلى إجراءات ديداكتيكية فارغة من المعنى والروح الفلسفية، وهي ما يدعوه البعض ب" النزعة النصية ".والمفارقة أن كثيرا من انتظارات الباحثين الفلسفيين المنتقدين لطريقة تدبير الدرس الفلسفي نجدها في الأطر المرجعية، وخاصة ما جاء في الكتاب الأبيض ضمن وثيقة الإطار والاختيارات والتوجيهات التربوية الخاصة بمادة الفلسفة، وقد أشرف على تحرير هذه الوثيقة كل من السادة الأساتذة : أحمد السطاتي، الحسين سحبان،سليم رضوان، عبد الكبير الخطيبي، عبد اللطيف كمال، محمد الطوزي، محمد كسوس، نور الدين الصايل.وتأسست الوثيقة على خلفية "...التعبير عن مقومات الذات التاريخية والحضارية بمختلف ثوابتها ومتغيراتها، وتستوعب في الآن نفسه وبصورة تركيبية مبدعة مكاسب الحضارة المعاصرة."كما تتأسس على الفلسفة التربوية المتضمنة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، والتي تنطلق من:
    1- العلاقة التفاعلية بين المدرسة والمجتمع، باعتبار المدرسة محرّكا أساسيا للتقدم الاجتماعي وعاملا من عوامل الإنماء البشري المندمج .
    2-إعداد المتعلم المغربي لتمثّل واستيعاب إنتاجات الفكر الإنساني في مختلف تمظهراته ومستوياته/ ولفهم تحولات الحضارات الإنسانية  وتطوّرها.
   3- اعتبار المدرسة مجالا حقيقيا لترسيخ القيم الأخلاقية وقيم المواطنة وحقوق الإنسان، وممارسة الحياة الديمقراطية-
4-تنمية القدرة على المشاركة الإيجابية في الشأن الوطني.
وأيضا من رهانات حضور مادة الفلسفة في التعليم الثانوي :إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي.ممارسة المواطنة والديمقراطية. الاسقلالية في التفكير والممارسة.الإنتاجية والمردودية.التنافسية الإيجابية.احترام البيئة الطبيعية......
هذه بعض من  الأهداف المُراد تحقيقها من تدريس مادة الفلسفة. السؤال، هل مدرسي الفلسفة على وعي بهذه الأهداف؟ هل بالفعل يقومون بأجرأتها وتقويمها؟ هذا ما تحاول مختلف مناهج الفلسفة إلى تحقيقه عبر مختلف المقاربات البيداغوجية والديداكتيكية. وهل بالفعل تم الوعي بالعلاقة الضرورية بين الفلسفة والبيداغوجيا، وهل يمكن للفلسفة أن تطرح نفسها مؤسسيا من دون ألية بيداغوجية ( أو مقارباتية على المستوى المنهجي )خارجيا عنها. يقول الأستاذ محمد سعد (أستاذ بمركز التكوين بسطات): "يُعتقد أن الفلسفة تفكر في ذاتها فلسفيا، و ليس لنا ما نعترض به على مثل هذا التصور، لكن ديداكتيكا الفلسفة لا تفكر في الفلسفة، و إنما في تدريسها، و من المؤكد أن جل الفلاسفة فكروا في بناء أنساقهم الميتافزيقية و بالموازاة مع ذلك فكروا في الطرق المناسبة لشرح أفكارهم، و نشرها على نطاق أوسع وسط الجمهور. و من الخطأ الشنيع أن نخلط بين الفلسفة و تدريسها إن مادة تفكير ديداكتيك الفلسفة هو لقاء التلاميذ (المتعلمين) بالفلسفة؛ من خلال بلورة الطرائق المناسبة لإعدادهم أن يكونوا فلاسفة في المستقبل. و هذا يعني أن الديداكتيك مطالبة بأن تفكر في الوسائل و المناهج التي تمكن من تلقين واضح و سهل للمعارف الفلسفية، و أن تنمي لدى التلاميذ التفكير العقلاني المنظم، و التعبير الواضح و المتناسق عن أفكارهم و البرهنة عليها، بالإضافة إلى القدرة على بحث المشكلات الفلسفية من خلال كتابة إنشاء أو تحليل نص فلسفي؛ فكل هذه المهام تتعلق بنشاط التلميذ و العلاقة بين المعلم و المتعلم.

مثلا نقرأ في البرامج والتوجيهات التربوية الخاصة بتدريس مادة الفلسفة والفكر الإسلامي والفلسفة بالتعليم الثانوي طبعة 1991:" إن أهداف تدريس مادة الفلسفة ينطلق من وضع (كون التفكير الفلسفي يمثل تاريخيا وتربويا تركيبا لمعارف متعددة وعودة للوعي إلى أصول التفكير والممارسة، وبحثا عن معنى الأشياء ودلالاتها، مما يعطي للمادة طابع التركيب والثراء، ويميّزها بتعدد مستويات المعالجة والتحليل.)ومن الوظيفة الاجتماعية التي يقوم بها التفكير الفلسفي، والتي تتجلى في كونه مجالا نرصد داخله ما يهمّ الإنسان نفسيا وحضاريا وينشط فيه العقل والوجدان.لابد من أن ينطلق التفكير في الأهداف من الطبيعة التركيبية للمادة وانفتاحها على حقول المعرفة المختلفة ، رياضيات، علوم طبيعية، اجتماعيات،آداب..)..ص 5.

وفي منهاج مادة الفلسفة والفكر الإسلامي بالتعليم الثانوي 1999، سيتم تطوير مقاربة الدرس الفلسفي من خلال أغراض تتجاوز المفهوم التقليدي للبرنامج الدراسي، مع التنصيص على احترام تضايف البيداغوجي مع الفلسفي من خلال اعتبار أن :" خصائص الفكر الفلسفي تتمثل أساسا في الحرية بما تضمنه من اتخاذ مسافة مع البداهات السائدة والأحكام المسبقة ومن الأهواء وعنفها، ومن ثمة فالفلسفة موقف للوعي أكثر منها معرفة بالمعنى الوضعي. فجوهر الفلسفة يكمن في عودة الوعي إلى ذاته، واتخاذ الموقف النقدي من المعرفة الجاهزة، ومساءلتها، وتأمل تجربة الحياة المعيشة وإخضاعها للفحص والتحليل. وترتبط بذلك النظرة التركيبية الشمولية، والتعامل مع الآخرين على أساس الحوار والتواضع والتسامح والمسؤولية، والدقة والصرامة والوضوح في التفكير.ص 6

ولأجرأة هذه الرهانات من الدرس الفلسفي، تم اعتماد موجات من المقاربات البيداغوجية والديداكتيكية، سنأتي على مساءلتها ضمن مدى حضورها أثناء إنجاز السادة الأساتذة للدرس الفلسفي.

وأخيرا، لم تُضف التوجيهات التربوية الأخيرة لنونبر 2007، جديدا إلى التضايف بين روح الفلسفة والإجراءات البيداغوجية، فقط اختيار مقاربة الكفايات كإجراء منهجي طوّر المقاربة بالأهداف :" بني منهاج مادة الفلسفة  على أساس تصور منهجي جديد يتلاءم مع الاختيارت والتوجيهات التربوية الجديدة وعلى رأسها المقاربة الفلسفية للموضوعات المبرمجة والمقاربة بالكفايات والتربية على القيم وعلى الاختيار."ص 9. كما يمكن الرجوع إلى الصفحتين الثالثة والرابعة حيث تضمنتا نفس الرهانات من تدريس الفلسفة كما تم التنصيص على ذلك في منهاجي الفلسفة السابقين.

بالمحصلة نحن أمام معطيين أساسين : المعرفة الفلسفية ومختلف إشكالات العلوم الإنسانية والعلوم الوضعية..كما أنتجها وأبدعها مختلف الفلاسفة والعلماء،ثم توظيف هذه المعارف والإشكالات طبقا لأغراض المؤسسة حيث تحضر الفلسفة كمادة تدريسية تخضع لشروط بيداغوجية وديداكتيكية،إضافة إلى رهانات الجهة التي لها السلطة في تحديد البرامج والمقررات الفلسفية....وهذه الأخيرة لا يُلغيها الفعل التشاركي مهما كانت قيمته الاعتبارية.

السؤال، هل مدرسوا مادة الفلسفة يستحضرون، لحظة إنجاز وتصريف الدرس الفلسفي هذين  المعطيين المؤسسين لوجود الفلسفة في المؤسسة التعليمية؟ روح الفلسفة والإجراءات البيداغوجية المُترجمة والمحققة للوظيفتين الفكرية والاجتماعية للفلسفة؟

تكمن المشكلة، في الخلط بين البحث الفلسفي الحر، والفلسفة المدرسية المشروطة بضوابط تُحددها أطر مرجعية. ومن الناحية العلمية والأخلاقية لا يجوز الدعوة، من أيّ كان، إلى التمرّد على الأطر المرجعية بدعوى أن الفلسفة مجال للحرية الفكرية ومن حق !!!!! مدرسي الفلسفة بناء دروسهم باعتبار أن الأطر المرجعية  " وصفات جاهزة  " .لهذا وجب الاجتهاد في اقتراح بدائل للأطر المرجعية الحالية، وهذه مهمة وطنية تقتضي تعاقدا بدوره يتطلب فتح نقاش عمومي من خلاله تتم مراجعة الأطر المرجعية بشكل مؤسسي إن بدا أنها لا تُساير التطورات والمستجدات.أما الأطر المرجعية الحالية ، وهي مقتضيات عامة،علينا احترامها في أفق الحفاظ على وحدة تدريس مادة الفلسفة، تحاشيا للبلبة والتسيّب في تدريس مادة الفلسفة، وهذا يصب في مصلحة أعداء الفلسفة لاعتبارت معروفة. وتكون البداية بنقد ما أوردناه في مقدمة المقال من الكتاب الأبيض ومختلف موجات مناهج الفلسفة، بمعنى نناقش شكل ومضمون مختلف المقتضيات الناظمة لتدريس الفلسفة.

إذا افترضنا أن تدريس الفلسفة يُعاني من اختلالات،فأين تكمن؟ هل في الأطر المرجعية أم في تنزيل هذه الأطر؟ كيف يقرأ كل من المدرسين والمراقبين التربويين هذه الأطر المرجعية؟ وما هي الهوامش الممكنة للإبداع والاجتهاد ؟ هل من داخل تلك الأطر أم بالانقلاب عليها ؟ وما هي مبررات هذا التمرد والانقلاب علما أنها مقتضيات مؤسساتية تروم توحيد تدريس مادة الفلسفة بما يضمن تكافؤ الفرص، ومن له رغبة في التحرر من إكراهات المؤسسة فالبحث الفلسفي مخرج لمن يتضجّر من الإجراءات البيداغوجية والديداكتية، وهل يُمكن تدريس الفلسفة بدون مقاربة بيداغوجية وديداكتيكية؟

كمثال على بعض الخلل في تدريس النصوص،أن عددا من مدرسي الفلسفي، لا يحترمون شرط ومُقتضيات تحليل  نصوص العلوم الدقيقة والإنسانية، بحيث يتماهى المدرسون مع الطابع العلمي لتلك النصوص شكلا ومضمونا ( وخاصة فرويد،إنشتاين، ودوركايم، باشلار....) مع أن التوجيهات التربوية تنص على "تجنّب إحضار هذه العلوم بصفتها الوضعية المتخصصة، تفاديا للخلط والاجتزاء والاختزال والصعوبات المتأتية من متطلبات التخصص والإحاطة بالمضامين  والمفاهيم العلمية الدقيقة والإنسانية، وحفاظا على وحدة التكوين الفلسفي العام للتلاميذ. لذلك فالعلوم الدقيقة والإنسانية حين تحضر فلإنما تحضر بنتائجها كسند للتفكير الفلسفي في قضايا  وإشكالات مشتركة بينها وبين هذه العلوم، أو تحضر كموضوع للتحليل التقدي الفلسفي، حيث يتخذ التفكير الفلسفي صورة الإبستمولوجيا." ص 6
والأمثلة كثيرة، وغيرها أخطر حين يتعلق الأمر بالإفتراء على الفلاسفة وتقويلهم ما لم يقولوه، وحتى كتاب التلميذ سقط في هذا المطب.!!!!!
إذا افترضنا أن تدريس الفلسفة يُعاني من بعض الاختلالات،أتساءل، هل بالفعل لحظة توظيف النصوص الفلسفية، تتم مقاربة الفلسفي من أجل تحقيق التفلسف، ليحط الفلسفي رحاله وقد حقق رهان حضوره في الدرس الفلسفي ،ممارسة التفكير النقدي الحر والمستقل والمسؤول، والتشبّع بقيم التسامح والمساواة والنزاهة والسلم والمواطنة والكونية. ص3. التوجيهات) هل بالفعل من خلال منطلق النصوص أو من منطلق إثارة إشكالية، أو قول فلسفي أو صورة مشكلة( وهذه المشاكل أثارها بكل جرأة الأستاذ والباحث رشيد العلوي في مقالات كثيرة وجريئة)...يتم إعداد المتعلم لتعلم هذه الأغراض من تدريس الفلسفة؟ كيف يتم التنصيص عليها في الجذاذات وكيف تتم أجرأتها ثم تقييمها؟ هل يتم التركيز فقط على البعد المعرفي المعلوماتي ( الأطروحة مع مفاهيمها وحجاجها) وانتهى الأمر ضمن لازمة " طوزية" مملة" أشكلة ومفهمة وحجاج. هل هذا هو رهان الدرس الفلسفي؟ وهل بالفعل طريقة طرح أسئلة الامتحان الوطني، وطريقة دليل التصحيح تعوق إمكانية انفتاح مدرس مادة الفلسفة على الوظيفة الفكرية والاجتماعية للفلسفة، علما أن المترشيحين يُمتحنون في معارف ومعلومات وليس في رهانات التدريس الفلسفي كما في الأطر المرجعية، وهذه مفارقة تنخر الدرس الفلسفي وتُسقطه في النمطية والجاهزية..وهذا ما فهمه " تجار الدروس الفلسفية" وأغرقوا الأسواق بنماذج من الدروس تتناقض مع رهانات الأطر المرجعية، ومن الأسف أن عددا من مدرسي الفلسفة، وجدوا الفرصة سانحة لإملاء دروس جاهزة لم يجتهدوا في تهييئها وينسبونها لأنفسهم، بحيث يتم طبع الدروس الجاهزة عبر الشبكة العنكبوتية مسبقا ، وتستعمل سنوات طوال من دون مشقة التعديل أو التطوير.

إذا افترضنا أن تدريس الفلسفة يُعاني من بعض الاختلالات، أتساءل عن دور المراقبة التربوية في تصحيح هذه الاختلالات وتقديم العون خاصة للخريجين الجدد من خلال تكثيف الندوات التربوية، وتفعيل الفرق التربوية والدروس التجريبية... وحبّذا لو يتم تقديم نماذج للاستئناس مرافقة لما يتم نقده بخصوص إختلالات الدرس الفلسفي.فحين أنتقد هذا يعني أني أحمل تصورا بيداغوجيا وديداكتيكيا لما هو منجز وموضوع للنقد وبديل لما هو شائع من اختلالات.

هناك قضية أخرى تحتاج إلى التفكير. بعض الباحثين في مجال الفلسفة يستشهدون بتجربة فلاسفة درّسوا الفلسفة.ولكن درّسوا الفلسفة من منطلق كونهم فلاسفة هم الذين اختاروا بمحض إرادتهم ماذا يُدرّسون، ولطلبة جامعيين همّهم آنذاك اكتساب المعرفة الفلسفية من أفواه الفلاسفة أنفسهم.أما نحن فمجرد مدرسين بالثانوي لمتعلمين في بداية مراهقتهم مما يُصعّب مأمورية ما كان يطمح له الفلاسفة. وحتى هؤلاء اختلف المتعلمون في تقييم تجربتهم في التدريس، نذكر على سبيل المثال موقف المتعلمين من طريقة تدريس كل من هيجل وشوبنهاور.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://philo.top-me.com
 
إعادة مُساءلة شروط الدرس الفلسفي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
فيلوصوفيا :: الفلسفة :: أبحاث حول الدرس الفلسفي-
انتقل الى: